19 مارس 2019
المشاركة الانتخابية في الانتخابات الوطنية .. نضج ديمقراطي مجتمعي طريق لدولة مدنية حديثة
وهكذا تمضي الانتخابات في مملكة البحرين لتشكل مؤشرات إيجابية على تحول ديمقراطي يسير بخطى ثابتة استطاعت من خلاله المملكة المحافظة على المكتسبات التي تحققت منذ بداية المشروع الإصلاحي لجلالة الملك حمد في عام 1999 مرورا بميثاق العمل الوطني والتعديلات الدستورية والقوانين التي تمكن المشرع البحريني من خلالها في احداث حالة من الانفتاح الديمقراطي الحقيقي في البلاد ومن الممكن رصد هذه المؤشرات فيما يلي:

تقاس مدى ديمقراطية أي مجتمع بمدى اقتناعه بتلك التجربة وتعاطيه معها، ولعل نسب الاقبال على الانتخابات تعتبر من أهم مؤشرات التحول الديمقراطي في أي دولة، فكلما ارتفعت هذه النسبة كان ذلك مؤشرًا قويًا على مدى إيجابية تلك التجربة والتفاف المجتمع حولها ورغبته في اختيار ممثليه بشكل واضح ودقيق، والعكس صحيح، وقد جرت الانتخابات النيابية والبلدية في مملكة البحرين منذ عام 2002 وحتى انتخابات 2018 بشكل دوري منتظم عكست استقرارًا سياسيًا وتحولا ديمقراطيا هادئًا. 


في هذ المقالة سنحاول رصد وتحليل عملية المشاركة الانتخابية في الانتخابات النيابية والبلدية للخروج باستنتاجات ونتائج تساعد على توصيف اتجاه عملية التحول الديمقراطي الجارية في البلاد، وذلك منذ أول انتخابات نيابية وبلدية جرت في عهد جلالة الملك حمد عام 2002 وحتى 2018؛ كما سنتطرق إلى تطور المشاركة الانتخابية ودلالة ذلك؛ مع التأكيد على عدم وجود اختلافات ذات دلالة معينة بين نسبها؛ رغم أن مجمع الناخبين في كلا النوعين مختلف فالأول يحق التصويت في الانتخابات فقط للمواطنين أما الانتخابات البلدية فيحق التصويت فيها لبعض المقيمين ممن يمتلكون عقارات داخل المملكة. كما سيتم رصد وتحليل نوع الناخبين لمحاولة الخروج بمؤشر معين حول مدى التمكين السياسي الذي تتمتع به المرأة البحرينية. 


التوزيع الجغرافي للمشاركة الانتخابية 


منذ أول انتخابات جرت في مملكة البحرين وتعتبر المحافظة الشمالية هي المحافظة الأكبر من حيث عدد الناخبين على مستوى المملكة، ولم تخرج عن هذه القاعدة سوى المحافظة الوسطى في انتخابات 2002؛ حيث كانت الهيئة الناخبة هي الأكبر في هذه المحافظة، وقد تراوحت نسبة الكتلة الناخبة في المحافظة الشمالية ما بين 29% الى 35% من إجمالي الهيئة الناخبة في المملكة عموما؛ أي حوالي ثلث الناخبين. وهو ما جعلها المحافظة الأكبر من حيث عدد الدوائر الانتخابية رغم كونها ليست المحافظة الأكبر من حيث المساحة الجغرافية. وهو ما انعكس أيضا على كونها الأكبر من حيث كم المترشحين.


من جهة أخرى فإن المحافظة الجنوبية رغم أنها المحافظة الأكبر من حيث المساحة الجغرافية فقد حافظت على كتلتها الانتخابية باعتبارها الكتلة الأصغر منذ انتخابات 2002 ولم تخرج عن هذه القاعدة إلا في عام 2014؛ حيث كانت محافظة المحرق هي الأقل من حيث عدد أعضاء الهيئة الناخبة بالمقارنة بباقي محافظات المملكة. إلا أنه لوحظ مع إلغاء المحافظة الوسطى قبل انتخابات 2014 وبعد أن نسبة الهيئة الناخبة كانت في المحافظة الجنوبية لا تتجاوز الـ 6 % من إجمالي الهيئة الناخبة في البحرين، فقد قفزت هذه النسبة لتشكل حوالي خمس الهيئة الناخبة في المملكة عموماً وتم تقسيمها إلى عشر دوائر انتخابية. 


ومن حيث المشاركة الانتخابية فإن المحافظة الجنوبية حافظت على كونها المحافظة الأكبر من حيث نسبة المشاركة في الانتخابات فمن بين خمسة انتخابات نيابية جرت في المملكة منذ عام 2002؛ حيث استحوذت على النسبة الأكبر من المشاركة الانتخابية في ثلاثة انتخابات متتالية 2010 ، 2014 ، 2018؛ وقد زادت نسبة المشاركة الانتخابية في تلك المحافظة عن 70% من إجمالي الهيئة الناخبة منذ انتخابات 2006 ، ولم تخرج عن هذه القاعدة إلا انتخابات 2002 حيث كانت هي المحافظة الأقل على مستوى المملكة من حيث نسبة المشاركة بالمقارنة بالمحافظات الأخرى؛ فشكلت نسبة المشاركة الانتخابية في تلك الفترة حوالي 40% من إجمالي الهيئة الناخبة في المحافظة. 


بالإضافة الى ذلك فأنه يبدو أن الفرضية الانتخابية العالمية التي تذهب إلى القول إنه كلما ازادت درجة تحضر المجتمعات كلما قلت نسبة مشاركتهم في الانتخابات قد فرضت صحتها على الانتخابات النيابية في مملكة البحرين فالعاصمة التي هي من المفترض المقر الرئيسي للحضر والمؤسسات الحكومية وأبناء الطبقة الوسطى بالإضافة إلى وجود نسبة تعليم مرتفعة فيها قد شكلت النسبة الأقل من حيث المشاركة في الانتخابات النيابية ومن بين الانتخابات الخمسة التي جرت في المملكة منذ عام 2002 فقد كانت محافظة العاصمة هي الأقل في ثلاثة انتخابات 2010 ، 2014 ، 2018 حيث تراوحت نسب المشاركة ما بين 32% : 63% في حين كانت المحافظة الجنوبية هي الأقل في انتخابات 2002  والمحافظة الوسطى في انتخابات 2006. 


المشاركة الانتخابية الأكبر 


في الإجمالي العام للمشاركة الانتخابية في مملكة البحرين شكلت الانتخابات النيابية التي جرت عام 2006 الانتخابات الأكبر من حيث نسبة المشاركة الانتخابية والتي بلغت 73.6% من إجمالي الهيئة الناخبة في المملكة، وهي نسبة مرتفعة للغاية وتعكس مستوى وعي انتخابي واضح، كما تعتبر نسب المشاركة في انتخابات 2010، وانتخابات 2018 من الانتخابات التي كانت الاقبال عليها جيدا؛ حيث زادت نسب المشاركة الانتخابية عن 60% من إجمالي الناخبين في المملكة. ومن جهة أخرى تعتبر انتخابات 2014 هي الانتخابات الأقل من حيث نسبة المشاركة الانتخابية حيث سجلت نسب المشاركة حوالي 50% من إجمالي المشاركة الانتخابية ولم تسبقها سوى انتخابات 2002 التي شكلت نسبة المشاركة الانتخابية فيها حوالي 54% من إجمالي المشاركة الانتخابية في المملكة عموماً.  وفي كل فان معدل المشاركة الانتخابية في البحرين يعتبر معدل جيد بالمقارنة بمعدلات المشاركة العالمية حيث تتراوح نسب المشاركة العالمية الجيدة ما بين 50% الى 70 %. 


الحضور النسائي في الانتخابات 


يشكل الاناث في مملكة البحرين حوالي 49% من إجمالي المواطنين في المملكة، وهي ذات نسبة كتلتهن الانتخابية، وهي نسبة متوازنة مع نسبة الذكور؛ الأمر الذي انعكس على الانتخابات منذ عام 2002؛ حيث كانت نسبة المشاركة النسائية في الانتخابات متقاربة بشكل كبير مع نسب المشاركة الذكورية بل إن نسبة المشاركة النسائية تفوقت على الرجال في انتخابات 2006، 2010 في حين استحوذ الرجال على النسبة الأكبر في انتخابات 2002، 2014، 2018. 


كما يعتبر تقارب هذه النسب مؤشرا على وعي المرأة السياسي بحقوقها وحرصها على أن يشكل سلوكها التصويتي ثقلا واضحا في العملية الانتخابية؛ وهو يبدو أنه تحقق وخاصة في الانتخابات النيابية عام 2018، والتي شاركت فيها 40 سيدة تنافسن في معظم المحافظات والدوائر الانتخابية وحصلن على كتلة تصويتية شكلت حوالي 15% من إجمالي أصوات المرشحين النيابيين ، رغم أنهن شكلن نسبة 13.7% فقط من إجمالي المترشحين النيابيين في عام 2018، وهي نسبة تشكل أكبر من ضعف حجم الكتلة التصويتية للمرأة في انتخابات 2014؛ والتي لم تحصل المرأة فيها إلا على 6.6 % من إجمالي الكتلة التصويتية رغم انهن شكلن حوالي 9% من اجمالي عدد المترشحين في انتخابات 2014.  وهو ما يعكس أيضاً وعي الناخب البحريني وقوة الخطاب الانتخابي الذي قدمته المرأة في انتخابات برلمان 2018. 


وأخيرا فقد شكلت المشاركة الانتخابية في كل من الانتخابات النيابية والبلدية مؤشرًا واضحًا على النضج التدريجي لعملية التحول الديمقراطي في المملكة؛ والتي بدأت ملامحها في البروز منذ وصول جلالة الملك المفدى حفظه الله ورعاه إلى مقاليد الحكم في عام 1999؛ وتبنيه نهجًا إصلاحيًا انفتاحيًا ديمقراطيًا متدرجًا؛ استطاع من خلاله أن يقدم للمواطن البحريني رؤية جلالته السياسية من خلال انتخابات جرت على مدار 16 عام؛ شاركت فيها كل قوى المجتمع من رجال ونساء من كافة مناطق المملكة؛ تفاوتت فيها نسب المشاركة، ولكنها كانت في كل مرة اكثر عقلانية ورشادة في تطوير الدولة المدنية الديمقراطية الحديثة.


ولكن هل انعكست تلك الرشادة والعقلانية في المشاركة الانتخابية على نتائج الانتخابات؟ هذا هو ما سنحاول الإجابة عليه في التقرير القادم.


إعداد وكتابة: خالد فياض 

المستشار السياسي لمعهد البحرين للتنمية السياسية 

روابط ذات صلة