في المقالة السابقة استعرضنا وضعية الجمعيات الاهلية في مملكة البحرين من حيث التوزيع الجغرافي ونوعية نشاطها بالإضافة الى معدل عدد الجمعيات الى معدل السكان في المملكة ولاحظنا ان هناك فجوة واضحة بين الجمعيات وتوزيعها الجغرافي ومعدل السكان ونوعيتها وأن عدم وجود مقرر محدد لمعظم الجمعيات الاهلية قد يؤثر على جديتها في طرح نشاطها.
في هذا المقال سنتطرق إلى المشاركة الانتخابية، وهل أثر وجود الجمعيات الاهلية على تلك المشاركة الانتخابية سلباً أو إيجابا وما دلالة ذلك؟ بالإضافة الى أهم التوصيات التي نرى أنه من الضروري الالتزام بها لتفعيل دور الجمعيات الاهلية في دعم عملية التحول الديمقراطي في مملكة البحرين.
في البداية لابد من الإشارة الى انه سيقتصر تحليلنا للمشاركة الانتخابية على المشاركة في انتخابات 2018 سواء في الانتخابات النيابية أو البلدية وذلك في مؤشرات المشاركة من حيث الترشح والتصويت. وقد لاحظنا أنه رغم كون المحافظة الجنوبية هي اقل المحافظات من حيث عدد الجمعيات الاهلية فقد كانت الأكبر من حيث نسبة المشاركة في الانتخابات النيابية والبلدية حيث بلغت نسبة الجمعيات الاهلية إلى اجمالي عدد الجمعيات الاهلية في المملكة حوالي 7% فقط في حين بلغت نسبة المشاركة الانتخابية حوالي 82% من اجمالي من لهم حق التصويت في انتخابات المحافظة الجنوبية وكذلك كان الوضع بالنسبة للمترشحين حيث كان عدد مترشحي تلك المحافظة هم الأقل بنسبة 21% من اجمالي عدد المترشحين في المملكة ولم يقل عنها بفارق بسيط الا محافظة المحرق.
ورغم استحواذ محافظة العاصمة على أكثرية عدد الجمعيات الاهلية في المملكة بنسبة 31% من اجمالي عدد الجمعيات الاهلية، الا انها لم تكن كذلك من حيث نسبة المشاركة الانتخابية والتي بلغت فقط 55% من اجمالي من لهم حق المشاركة الانتخابية في المحافظة عموماً، أي انها احتلت المركز قبل الأخير بين محافظات المملكة الأربع. وان كانت نسبة المرشحين في محافظة العاصمة أفضل حالا في كونها المحافظة الثانية من حيث كم المترشحين للانتخابات النيابية. بالإضافة الى ذلك فان نسبة المشاركة الانتخابية في المحافظة الشمالية كانت هي الأقل بين محافظات المملكة الأربع ، الا ان الوضع لم يكن كذلك بالنسبة لعدد الجمعيات الاهلية حيث لم تستحوذ الشمالية سوى على نسبة 13 %من اجمالي عدد الجمعيات الاهلية في المملكة وذلك رغم استحواذها على النسبة الأكبر من المترشحين لتلك الانتخابات النيابية بنسبة بلغت 36% من اجمالي المترشحين للمملكة.
وعلى مستوى جمعيات المرأة فإن محافظة العاصمة ،وهي المحافظة الأكبر من حيث عدد جمعيات المرأة حيث يوجد في المملكة عموما 22 جمعية نسوية من بينها 9 جمعيات في محافظة العاصمة فقط، بنسبة بلغت 41% من اجمالي جمعيات المرأة في المملكة ، لكن الأمر لم يكن كذلك بالنسبة لاستحواذ المرأة على عملية الترشح للانتخابات النيابية والتي بلغت 30% من نسبة المترشحات للمجلس النيابي على مستوى المملكة عموماً ، ومع ذلك فقد استطاع نساء العاصمة الاستحواذ على نصف مقاعد المرأة في مجلس النواب في الانتخابات النيابية الأخيرة أي على ثلاث مقاعد من اجمالي ستة مقاعد للمرأة في مجلس النواب الحالي.
وعلى العكس من ذلك ورغم أن اقل عدد من جمعيات المرأة كان في المحافظة الشمالية فقد كان بها أكبر عدد من المترشحات للمجلس النيابي (13 مترشحة من اجمالي 40 مترشحة) كما خرج منها اثنان من الفائزين بعضوية المجلس النيابي، كما كانت الشمالية هي الأكثر استحواذا على نسبة المترشحات للمجالس البلدية، فمن اجمالي عدد المترشحات البالغ عددهن 8 مرشحات خرج من الشمالية فقط ثلاث مرشحات.
وهكذا فانه من الواضح عدم وجود علاقة تأثير من جانب الجمعيات الاهلية في مملكة البحرين عموما على العملية الانتخابية ،بل انه كما لاحظنا فان غياب الجمعيات الاهلية كان مؤثرا بالإيجاب من حيث ارتفاع نسبة المشاركة الانتخابية سواء على مستوى الترشح او على مستوى التصويت، وهو امر يعود الى عدم نشاطية تلك الجمعيات في معظمها ، كما لاحظنا من قبل ، بالإضافة الى عدم وجود ثقافة تدعم العمل التطوعي في المجتمع البحريني وهي ظاهرة يمتد اثرها ليشمل معظم الدول العربية والتي تعاني من الارتفاع الكمي لعدد المنظمات الاهلية دون ان يرتبط ذلك بأثر كيفي على المجتمع.
لذلك من الممكن صياغة عدد من التوصيات من الممكن ان تكون مقدمة لإصلاح حقيقي وضروري للمجتمع المدني في مملكة البحرين وهي توصيات يرتبط بعضها بالأطر الداخلية لعمل منظمات المجتمع المدني وبعضها يرتبط بأطر خارجية. ويمكن اجمال التوصيات الخاصة بالأطر الداخلية في الآتي:
-
الالتزام بالأساليب الديمقراطية في تنظيم وإدارة شئون الجمعيات الاهلية بحيث تلتزم جميعها بتطبيق احكام القانون الخاصة بانتخاب مجلس إدارة الجمعية عن طريق الاقتراع السري فضلا عن الالتزام بأسس معايير الشفافية والمساءلة في ممارستها لأنشطتها وكذلك الالتزام بمعالجة الخلافات الداخلية بأساليب ديمقراطية ومؤسسية بما يحفز وحدة الجمعية وتماسكها ولا شك في ان تبني النهج الديمقراطي في إدارة الشئون الداخلية للجمعيات انما يسهم في تدريب الأعضاء على المشاركة من ناحية وإشاعة قيم وثقافة الديمقراطية على صعيد المجتمع من ناحية أخرى.
-
تعزيز القدرات المؤسسية للجمعيات الاهلية من خلال تحديث هياكلها الإدارية والتنظيمية على النحو الذي يجعلها أكثر مؤسسية وفاعلية على الصعيد التنظيمي وأكثر مرونة على صعيد التعامل مع المستجدات والمتغيرات فضلا عن تطوير وتحديث قواعد البيانات الخاصة بالجمعيات بانتظام مع وضع الخطط والآليات اللازمة التي تضمن التطوير المستمر لقدرات ومهارات القائمين على شئون الجمعيات واعضائها.
-
مراجعة أهداف الجمعيات مع تطوير برامج وآليات عمليها بحيث تتجاوز الطابع الموسمي الذي بات سمة بارزة للعديد من الجمعيات فالتزام الجمعية بتنفيذ أنشطة ولو قليلة على مدار العام أفضل من ان تقوم ببعض الأنشطة في بعض المناسبات. فالأنشطة المدروسة والمبرمجة على مدار العام تسمح للجمعية بان تعزز حضورها على صعيد المجتمع.
-
العمل من اجل تصحيح صورة الجمعيات الاهلية لدى المجتمع، خاصة ان اخر دراسة ميدانية عن الجمعيات الاهلية في مملكة البحرين والتي قامت بها وزارة التنمية الاجتماعية عام 2009 ذهبت الى عدم أدارك الغالبية العظمي من العينة المستهدفة بالدور المنوط بتلك الجمعيات في المجتمع.
-
تعزيز الجمعيات الاهلية لقنوات التواصل مع المجتمع من خلال تعريفه بالجمعيات وانشطتها والعمل من اجل استقطابهم للانضمام إليها، وإذا كان هذا الامر مطلوبا بالنسبة لجميع أشكال الجمعيات الاهلية فانه أكثر أهمية بالنسبة لجمعيات المرأة والجمعيات الاجتماعية والخيرية بالإضافة الى جمعيات الشباب حيث يجب أن يشكلوا مكونا رئيسيا في عضوية هذه الجمعيات.
-
العمل بفاعلية من اجل تنمية وتطوير الموارد المالية الذاتية للجمعيات فتوافر مصادر ذاتية للتمويل انما يعزز من استقلالية الجمعيات ويمكنها من تحقيق التأثير المطلوب لها في المجتمع.
-
تفعيل جهود التنسيق بين الجمعيات العاملة في نفس المجال وتشجيعها على الاندماج من خلال اتحادات نوعية بين الجمعيات مما يقلص من مظاهر الازدواجية والتكرار في الأنشطة والفعاليات.
-
تفعيل جهود الشراكة مع بعض الوزارات والمؤسسات الحكومية فجهود الجمعيات الاهلية يجب ان تتكامل مع جهود أجهزة الدولة ومؤسساتها من اجل معالجة القضايا التي تواجه المجتمع.
اما التوصيات الخاصة بمعالجة الأطر الخارجية لعمل الجمعيات الاهلية فتتمثل في الآتي:
-
المراجعة الدورية للقوانين والتشريعات المتصلة بعمل الجمعيات الاهلية وتطويرها على النحو الذي يعزز من استقلاليتها. وإيجاد قنوات ملائمة يمكن من خلالها اشراك الجمعيات الاهلية في مناقشة تلك التشريعات والقوانين
-
توفير الدعم المالي الحكومي المخصص للجمعيات الاهلية ولو لفترة التأسيس فقط مع مساعدتها على تطوير مواردها المالية الذاتية دون وضع اعتبارات الاقدمية او نوع النشاط في الاعتبار.
-
العمل من اجل تعزيز فرص ومجالات الشراكة بين أجهزة الدولة ومؤسساتها من ناحية والجمعيات الاهلية العاملة في نفس المجال من ناحية أخرى بحيث تتكامل جهود الطرفين من اجل الصالح العام.
-
قيام القطاع الخاص بدور أكثر فاعلية في دعم جهود وانشطة الجمعيات الاهلية وذلك في إطار المسئولية الاجتماعية لراس المال ومن خلال شراكات وبرامج عمل مشتركة تجمع بين القطاع الخاص والجمعيات الاهلية.
-
مبادرة وسائل الاعلام ومؤسسات التعليم بدعم نشاط الجمعيات الاهلية من خلال تغطية أنشطتها ونشر الوعي بأهمية العمل التطوعي باعتباره يمثل جوهر المجتمع المدني الحديث.
واخيراً فإن ثمة مسئولية مشتركة تقع على عاتق الدولة والجمعيات الاهلية وكل القوى الاجتماعية الفاعلة والمؤثرة بشأن نشر وإشاعة قيم ثقافة الديمقراطية بين مختلف فئات المجتمع، فقيم مثل المبادرة والمشاركة والتسامح والاعتدال وسيادة القانون تمثل بنية ثقافية وقيمية للجمعيات الاهلية ولمختلف المنظمات الأخرى التي يشملها المجتمع المدني. وهو ما يعزز من عملية التحول الديمقراطي التدريجي في مملكة البحرين.
إعداد وكتابة: خالد فياض
المستشار السياسي لمعهد البحرين للتنمية السياسية