27 نوفمبر 2011
المصالحة الوطنية
صدر تقرير اللجنة البحرينية المستقلة لتقصي الحقائق ليكشف الحقيقة، ويحاول المساهمة في معالجة تداعيات الأحداث المؤسفة التي شهدتها المملكة خلال شهري فبراير ومارس الماضيين، وحسم المواقف وتحديد الدروس المستفادة من هذه الأحداث نحو مستقبل أكثر استقراراً ومرحلة جديدة تاريخية تتطلب تضافر كافة الجهود الوطنية المخلصة.

صدر تقرير اللجنة البحرينية المستقلة لتقصي الحقائق ليكشف الحقيقة، ويحاول المساهمة في معالجة تداعيات الأحداث المؤسفة التي شهدتها المملكة خلال شهري فبراير ومارس الماضيين، وحسم المواقف وتحديد الدروس المستفادة من هذه الأحداث نحو مستقبل أكثر استقراراً ومرحلة جديدة تاريخية تتطلب تضافر كافة الجهود الوطنية المخلصة.

والحديث الآن يتطلب قراءة هادئة في مرحلة ما بعد صدور التقرير، ولكن قبل ذلك من الأهمية بمكان التأكيد على أهمية تشكيل اللجنة المستقلة لتقصي الحقائق، وهي كما أكد عليها حضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة عاهل البلاد المفدى في أن أي "حكومة لديها الرغبة الصادقة في الإصلاح والتقدم يجب أن تعي الفائدة من النقد الموضوعي الهادف والبنّاء". وهو ما يعكس رغبة القيادة في قبول النقد الموضوعي والبنّاء للتعرف على الأخطاء وملابسات الأحداث، والسعي نحو معالجتها بشكل فوري بما يؤكد التزامها الوطني بالمضي قدماً في تصحيح الأخطاء، وتطوير السياسات والإجراءات بما يخدم عملية التحول الديمقراطي في إطار المشروع الإصلاحي الذي دشنه عاهل البلاد المفدى قبل نحو عقد من الزمن بتوافق تاريخي مع الشعب في ميثاق العمل الوطني.

ولنا في الكلمة السامية للعاهل المفدى خلال حفل تسليم تقرير اللجنة دروس كثيرة، عندما أكد على أهمية الاستفادة من تجارب البلدان في معالجة الأحداث التي قد تشهدها وتسبب أزمات فيها. فعلى سبيل المثال المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان عاقبت العديد من الدول الأوروبية التي انتهكت حقوق الإنسان رغم تاريخها الحافل في مجال احترام هذه الحقوق السامية. وهو ما يعكس شجاعة هذه الدول، وإرادتها الصادقة نحو الاستفادة من الأخطاء والقيام بمزيد من الإصلاحات لضمان احترامها لحقوق الإنسان وتعهداتها الدولية في هذا المجال.

هذا بالفعل ما أكده العاهل المفدى في كلمته عندما شدد على ضرورة الاستفادة من الأخطاء ومعالجتها بما يضمن تحقيق المصالحة الوطنية، والقيام بمزيد من الإصلاحات لتطوير المشروع الإصلاحي وتكريس الوحدة الوطنية.

الوضع الحالي يتطلب من الجميع قراءة صريحة وجادة ومسؤولة لتقرير لجنة تقصي الحقائق، بعيداً عن الانفعالات العاطفية، بل يجب أن تكون هناك قراءات عميقة في تفاصيله لمعرفة طبيعة ما جرى من أحداث، وكيفية تجاوزها سريعاً لإعادة الأمن والاستقرار، والدفع قدماً نحو تجربة أكثر نضجاً وتطوراً تقوم على البناء على المكتسبات والإنجازات السياسية والحقوقية التي تحققت طوال السنوات الماضية.

تقرير لجنة تقصي الحقائق يشكل الآن أرضية قاعدة ذات مصداقية عالية وموضوعية للتعرف على مواطن الخلل والضعف، وتقويتها، وهذا لا يتعلق بالحكومة ومؤسساتها فحسب، وإنما يمتد ليشمل مؤسسات المجتمع المدني، وحتى مكونات المجتمع المحلي نفسها.

عندما تشهد إحدى الدول أزمة ما فإنه على كافة الأطراف والقوى فيها التحلى بالشجاعة الكافية للاعتراف بالأخطاء، لأنها البداية الحقيقية لتصحيح المسارات، وتقويمها سريعاً، بما يضمن الحفاظ على المكتسبات والمنجزات الحضارية المختلفة. وهذا ما أكد عليه العاهل في كلمته السامية، وأعلنت الحكومة اعترافها وقبولها بالتقرير وحرصها الكبير على تنفيذ توصياته.

الفترة المقبلة ستشهد العديد من الخطوات من قبل القيادة والأجهزة الحكومية لتنفيذ مزيد من الإصلاحات ودعمها، وهو ما يتطلب دعماً وطنياً مشتركاً من قبل الجميع. وبعض هذه الخطوات بدأت فعلياً منذ الصيف الماضي عندما أطلق العاهل حوار التوافق الوطني بمشاركة مختلف مكونات المجتمع ليخلص الحوار إلى مناقشة كافة القضايا التي ترى مكونات المجتمع ضرورة تطويرها والقيام بها من أجل تطوير تجربة الإصلاح في مملكة البحرين.

والخطوات أيضاً تشمل تطوير الإجراءات لدى بعض الأجهزة الحكومية التي قامت بها فعلياً وكشف عنها التقرير لضمان مزيداً من احترام حقوق الإنسان، وكذلك الحال بالنسبة لإحالة الحكومة عدد من مشاريع القوانين للسلطة التشريعية لضمان توافق التشريعات الوطنية للمعايير الدولية لحقوق الإنسان، وهي خطوة تقوم بها الدول عادة عندما تتعهد بتنفيذ الاتفاقيات والمعاهدات الحقوقية الدولية. إذ تتطلب هذه التعهدات أن تكون التشريعات الوطنية متوافقة مع نصوص الاتفاقيات الدولية، وتتم هذه العملية من خلال الآليات الدستورية المتبعة في العملية التشريعية من قبل النواب وأعضاء مجلس الشورى، بحيث يتم تعديل كافة القوانين البحرينية تدريجياً للتأكد من مطابقتها للتعهدات الدولية التي وافقت عليها المملكة في الاتفاقيات التي وقعت عليها.

كما تشهد الفترة المقبلة، تنفيذ سلسلة من الإصلاحات السياسية تعد من مخرجات حوار التوافق الوطني باعتبارها مرئيات تخدم الإصلاح السياسي والاجتماعي والاقتصادي والحقوقي أيضاً، ومنها تعزيز صلاحيات السلطة التشريعية، وخاصة مجلس النواب، بالإضافة إلى تفعيل دور المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان لتتوافق مع أدوار مثل هذه المؤسسات في مختلف بلدان العالم من صلاحيات واسعة، وقدرة على القيام بدور رئيس في صيانة حقوق الإنسان السامية في مملكة البحرين.

عندما يتم الحديث عن مرحلة ما بعد صدور تقرير اللجنة المستقلة لتقصي الحقائق، فإنه ينبغي أن يكون الحديث قائم على المسؤولية الوطنية النابعة من الحفاظ على الثوابت التي توافق عليها شعب البحرين في ميثاق العمل الوطني، والحفاظ أيضاً على مكتسبات الدستور. وهذه المسؤولية لا يمكن أن تتحقق دون تطوير الثقافة السياسية للمجتمع البحريني التي تقتضي رفع الوعي السياسي للأفراد والمؤسسات، وضمان قيامها بأدوارها الأساسية عبر وسائل عديدة كفلها الدستور والقوانين الوطنية.

تعزيز أسس المواطنة أيضاً من متطلبات المرحلة المقبلة، والمواطنة تعني احترام كافة الأفراد والمؤسسات للحقوق، مقابل القيام بمجموعة من الواجبات والالتزامات التي تكفل الحريات والحقوق والاستقرار للجميع في الدولة.

تجربة مملكة البحرين في مجال تشكيل لجنة مستقلة لتقصي الحقائق بإشراف خبراء دوليين هي الأولى على مستوى العالم التي تتم من خلال إرادة ورغبة وطنية خالصة ينبغي أن تكون بمثابة تجربة ثرية للبحرين ولغيرها من الدول في التعرف على ملابسات الأحداث التي تشهدها، وكيفية التوافق للخروج منها بشكل جاد وبما يحفظ مصالحها الوطنية. وهي بلاشك مساهمة هامة من مملكة البحرين في إثراء القانون الدولي الإنساني، وممارسات حقوق الإنسان.

روابط ذات صلة