تشهد البحرين خلال الأسبوع الجاري إعلان تقرير اللجنة الملكية المستقلة لتقصي الحقائق في الأحداث التي شهدتها المملكة في شهري فبراير ومارس الماضيين. فما معنى تشكيل هذه اللجنة وإصدارها لمثل هذا التقرير؟
بداية لابد من التعرّف على الأدوار التي تقوم بها لجان تقصي الحقائق في العالم، ولماذا يتم تشكيلها، ودلالات إنشائها، وما يترتب عليها عادة من نتائج.
لجان تقصي الحقائق الدولية يتم إنشائها في البلدان التي تشهد أزمات كبيرة تؤثر في استقرار المجتمعات والدول، وتؤدي إلى أحداث تؤثر على أوضاع حقوق الإنسان فيها، وإلى أحداث يمكن أن تؤثر على السلم والأمن الدوليين. وعادة ما تكون ظروف إنشاءها وجود أطراف عديدة تضررت من الأزمات التي مرّت بها البلدان.
أما الهدف من إنشاء هذه اللجان فهو المساهمة بشكل رئيس في كشف ملابسات الأحداث التي تشهدها الدول بشكل مستقل وحيادي وموضوعي، وكشف الحقائق والمعطيات التي تمت تمهيداً لوضع توصيات تساهم في إنهاء الجدل الدائر بشأن حقوق الإنسان، أو بشأن الأطراف المتضررة، وكيفية التعامل معها من أجل إنصاف كافة الأطراف، وإنهاء حالة النزاع أو الصراع سواءً كان داخلياً أو دولياً.
وهناك أسلوبان في تشكيل لجان تقصي الحقائق، الأول يعتمد على قيام هيئة الأمم المتحدة بحكم الاختصاصات الممنوحة لها كمنظمة دولية لحفظ السلم والأمن الدوليين، وكذلك الحال بالنسبة للعديد من المنظمات الإقليمية الأخرى التي تتيح لها أنظمتها ولوائحها الأساسية تشكيل مثل هذه اللجان وفق آليات محددة قانوناً. أما الأسلوب الثاني أن تقوم الدولة بطلب تشكيل لجنة مستقلة لتقصي الحقائق بشكل ذاتي وتختار لهذه المهمة مجموعة من الشخصيات الدولية ذات الخبرة والاختصاص الدولي في مجال حقوق الإنسان ومعالجة الصراعات الدولية.
وأثبتت التجارب الدولية المختلفة إمكانية معالجة الصراعات الداخلية والإقليمية والدولية عبر تشكيل لجان أو بعثات تقصي الحقائق المتخصصة. ومثل هذه التجارب ليست بجديدة على مملكة البحرين التي شهدت قبيل نيلها الاستقلال
صراعاً حول هويتها مطلع السبعينات من القرن العشرين، ودفعت الأمين العام للأمم المتحدة آنذاك إلى تشكيل بعثة دولية لتقصي الحقائق زارت البحرين وظلت فيها فترة التقت فيها بالعديد من مكونات المجتمع المحلي، والمؤسسات المختلفة الرسمية والأهلية لتخرج بتوصيات تقوم على رغبة شعب البحرين في أن تكون هويته عربية وأن ينال استقلاله كبقية بلدان الخليج العربي، وهو ما مهّد الطريق نحو نيل استقلال البحرين في 14 أغسطس 1971.
التجربة الأولى تمت من خلال الأمم المتحدة في ذلك الوقت، أي تمت عبر الأسلوب الأول. أما التجربة الحالية فإنها جاءت وفقاً للأسلوب الثاني بإرادة ملكية سامية. حيث كانت هناك قناعة بحرينية خالصة بضرورة معالجة الأزمة التي شهدتها البلاد خلال شهري فبراير ومارس الماضيين، وأن يكون هناك رأي دولي مستقل يحسم الادعاءات التي ظهرت من أطراف عديدة تضررت من هذه الأزمة. واللافت في هذه الخطوة أنها كانت التجربة الأولى على مستوى البلدان العربية التي يتم فيها الاستعانة بلجنة دولية مستقلة لحسم أزمة داخلية.
من هنا أصدر العاهل في 29 يونيو 2011 أمره الملكي رقم (28) لسنة 2011 بإنشاء اللجنة الملكية المستقلة للتحقيق في الأحداث التي وقعت في مملكة البحرين خلال شهري فبراير و مارس الماضيين.
وعندما يتم تشكيل لجنة دولية لتقصي الحقائق بطلب من دولة ما، فإن الخطوة الأولى لهذه اللجنة أن تتوافر لها ضمانات الاستقلالية حتى تقوم بأداء مهامها بشكل دقيق وبكفاءة عالية من خلال تحديد نطاق عملها، واختصاصاتها المختلفة. وهذا ما تم في حالة البحرين، حيث حدد الأمر الملكي طبيعة القضية التي أنشأت اللجنة من أجلها وهي التحقيق في مجريات الأحداث التي وقعت في مملكة البحرين خلال شهري فبراير ومارس 2011، وما نجم عنها من تداعيات لاحقة، وتقديم تقرير حولها متضمناً ما تراه مناسباً من توصيات في هذا الِشأن.
اللجنة الملكية لتقصي الحقائق في البحرين تم توفير الضمانات الكفيلة باستقلاليتها، حيث تم تشكيلها من قبل شخصيات دولية مرموقة لها خبرات واسعة في مجال حقوق الإنسان والصراعات الدولية برئاسة البروفيسور محمود شريف بسيوني.
وأعطيت اللجنة استقلالية تامة، حيث أقر الأمر الملكي الخاص بتشكيلها استقلاليتها التامة عن حكومة مملكة البحرين أو أي حكومة أخرى، بحيث يعمل أعضاؤها بصفتهم الشخصية ولا يمثلون أي حكومة أو منظمة دولية أو مسئول عام أو أي مصلحة اقتصادية أو سياسية.
أما فيما يتعلق باختصاصاتها ومهامها الأساسية فإنها تقوم على تقصي الحقائق والاتصال بجميع الجهات الحكومية المعنية والمسئولين الحكوميين، وكذلك الاطلاع على الملفات والسجلات الحكومية، وللجنة مطلق الحرية في مقابلة أي شخص تراه مفيداً لها، بما في ذلك ممثلي المجتمع المدني ومنظمات حقوق الإنسان والجمعيات السياسية، والنقابات العمالية، والضحايا المزعومون وشهود الانتهاكات المزعومة لحقوق الإنسان المصونة دولياً. وألزم الأمر الملكي جميع الجهات الحكومية ذات الصلة وضع نتائج تحقيقاتها المتعلقة بالأحداث الخاصة بعمل اللجنة تحت تصرف اللجنة.
كذلك من الضمانات التي أعطيت لضمان استقلالية اللجنة، أن تتولى اللجنة بذاتها تحديد مسار عملها ودون أي تدخل من قبل الحكومة، وللجنة مقابلة الضحايا المزعومين، وشهود الانتهاكات المزعومة في إطار من السرية، ووفقاً للإجراءات التي تراها لضمان حماية خصوصية وأمن الأفراد الذين تجتمع معهم، وطبقاً للمعايير الدولية لحقوق الإنسان.
أيضاً ألزمت الحكومة بعدم التدخل بأي شكل من الأشكال في عمل اللجنة ولا يجوز أن تمنع وصول أي شخص يسعى لإجراء اتصالات معها أو مع أحد من معاونيها، كما يجب على الحكومة تسهيل وصول اللجنة وموظفيها إلى الأماكن والأشخاص التي تحددها وفق ما تراه اللجنة مناسباً.
ومنحت اللجنة الملكية المستقلة لتقصي الحقائق سلطة البت في جميع المسائل المتعلقة بنطاق وأساليب عملها، وبالمقابل تتعهد الحكومة بعدم تعريض أي شخص، أو أي فرد من عائلة ذلك الشخص الذي قام بالاتصال باللجنة أو تعاون معها، لأي نوع من العقاب، أو التأثير عليه سلباً بأي شكل من الأشكال، أو تعريضه لأي مضايقات أو إحراج من قبل أي مسئول عام أو ممثل للحكومة. والهدف من هذه الضمانات حفظ سرية كافة الأفراد الذين سيدلون بشهاداتهم وإفاداتهم أمام اللجنة سواءً كانوا من المواطنين أو المقيمين.
كذلك منحت اللجنة ضمانات أخرى للاستقلالية وتأكيد موضوعية عملها، حيث لم يتم ربط أنشطتها بالقوانين الوطنية لمملكة البحرين وإجراءاتها القضائية حتى لو كانت ذات صلة بنفس موضوع التحقيق الذي تحاول الكشف عنه، وليس لأي جهة إدارية أو قضائية سلطة وقف أو تقييد أو منع أو التأثير على عمل اللجنة ونتائجها.
بالإضافة إلى ذلك تمت مراعاة شفافية عمل اللجنة فيما يتعلق بموازنتها، حيث أعطي رئيس اللجنة الملكية المستقلة لتقصي الحقائق صلاحية تحديد الميزانية المطلوبة بما فيها مكافآت العاملين فيها حسب المعايير المعمول بها في الأمم المتحدة، ويتم توفير هذه الموازنة من موازنة الديوان الملكي، على أن تتضمن بياناتها في تقرير اللجنة الذي سيكشف عنه لاحقاً.
من القضايا الهامة المثارة حالياً قبل صدور تقرير اللجنة المتوقع خلال الأسبوع الجاري مضمون التقرير نفسه. فالأمر الملكي بإنشاء اللجنة أتاح لها أن تضمن تقريرها ما تراه مناسباً، بالإضافة إلى 10 محاور أساسية؛ تشمل سرداً كاملاً للأحداث التي وقعت خلال شهري فبراير ومارس 2011، والظروف والملابسات التي وقعت في ظلها تلك الأحداث، وتحديد مدى وقوع انتهاكات للمعايير الدولية لحقوق الإنسان من قبل أي من المشاركين خلال الأحداث أو التداخل بين المواطنين والحكومة.
ومن المحاور التي ستتضمن في التقرير ـ بحسب الأمر الملكي ـ وصفاً لأي أعمال عنف وقعت بما في ذلك طبيعة تلك الأعمال، وكيفية حدوثها والعناصر الفاعلة والتداعيات التي نتجت عنها، ولاسيما في مستشفى السلمانية ودوار مجلس التعاون. وبحث حالات الإدعاء عن وحشية الشرطة أو الإدعاء بأعمال عنف ضد المتظاهرين، أو من المتظاهرين ضد الشرطة وآخرين، بما في ذلك الأجانب.
فيما يتعلق بالمحور السادس الذي يجب أن يتضمن في التقرير ظروف وصحة عمليات التوقيف والاعتقال، وبحث حالات الإدعاء بالاختفاء أو التعذيب. أيضاً بيان ما إذا كان هناك مضايقات من قبل وسائل الإعلام المسموعة والمقروءة والمرئية ضد المشاركين في المظاهرات والاحتجاجات العامة. وبحث حالات الإدعاء بأعمال هدم غير قانوني للمنشآت الدينية. وأخيراً بيان ما إذا كان هناك اشتراك لقوات أجنبية أو فاعلين أجانب في الأحداث.
خلال الأسبوع الجاري من المتوقع أن يصدر تقرير اللجنة، وسيتضمن التقرير العديد من التوصيات، خصوصاً وأن اللجنة أعطيت صلاحيات التوصية بإجراء التحقيق أو المحاكمة لأي شخص بما في ذلك المسئولون أو الموظفون العموميون، والتوصية بإعادة النظر في الإجراءات الإدارية والقانونية، والتوصيات المتعلقة بإنشاء آليات مؤسسية تهدف إلى منع تكرار أحداث مماثلة وكيفية معالجتها مستقبلاً.