مع افتتاح حضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة عاهل البلاد المفدى دور الانعقاد الثاني من الفصل التشريعي الثالث للمجلس الوطني، فإن التجربة السياسية أمام منعطف هام وجديد، إذ من المتوقع أن يناقش البرلمان خلال الشهور المقبلة مجموعة من التعديلات الدستورية التي تم التوافق عليها خلال حوار التوافق الوطني الذي أجري في يوليو الماضي بمشاركة واسعة من مكونات المجتمع والجمعيات السياسية ومؤسسات المجتمع المدني.
فبحسب المرئيات المتوافق عليها في حوار التوافق الوطني، فإنها تشمل تعديلات دستورية تمس صلاحيات السلطة التشريعية، وكذلك طبيعة العلاقات بين البرلمان والحكومة، ودورة التشريع. إن تبرير المشاركين في حوار التوافق الوطني بالحاجة لمثل هذه التعديلات هو "ضمان فاعلية الأداء وسرعة العمل البرلماني نحو مزيد من الإنجاز".
وقبل أن يبدأ البرلمان بمناقشة التعديلات الدستورية، فإنه من المهم فهم كيفية إجراء مثل هذه التعديلات، وكيف يقوم البرلمان بإجراء تعديلات معينة على الدستور؟ خصوصا وأن دستور مملكة البحرين يعد من الدساتير الجامدة، ذلك لأن إجراءات تعديله تختلف عن إجراءات تعديل القوانين العادية، وقد بين الدستور في المواد 35 و 92 و 120 الإجراءات الواجب إتباعها في تعديل الدستور.
وبحسب التعديلات التي أجريت على دستور مملكة البحرين في فبراير 2002 فإنه يجوز التعديل على الوثيقة الدستورية. وقد حدد الدستور واللائحة الداخلية لمجلسي الشورى والنواب آليات التعديل. وبشكل أساسي فإن حق طلب تعديل الدستور يتم من خلال الإرادة الملكية، أو من خلال رغبة أعضاء مجلسي الشورى والنواب.
ويمكن اقتراح تعديل الدستور من خلال قيام خمسة عشر عضواً من مجلس الشورى أو خمسة عشر عضواً من مجلس النواب بطلب اقتراح تعديل الدستور. ويجب أن يتضمن اقتراح تعديل الدستور تحديد مواد الدستور المطلوب حذفها أو إضافتها أو المطلوب تغيير أحكامها، وأن يرفق بطلب التعديل بيان للمبررات الداعية لذلك. ويحال الاقتراح إلى اللجنة المختصة في المجلس الذي قدم فيه الاقتراح لإبداء الرأي، فإذا رأى المجلس قبول الاقتراح أحاله إلى الحكومة لوضعه في صيغة مشروع تعديل للدستور أو مشروع قانون وتقديمه إلى مجلس النواب في الدورة نفسها أو الدورة التي تليها.
ويشترط لتعديل أي حكم من أحكام الدستور أن تتم الموافقة على التعديل بأغلبية ثلثي الأعضاء الذين يتألف منهم كل من مجلسي الشورى والنواب، كما يشترط أيضاً أن يصدق الملك على التعديل.
وإذا رفض تعديل ما للدستور فلا يجوز عرضه من جديد قبل مضي سنة على هذا الرفض. ولا يجوز اقتراح تعديل المادة الثانية في الدستور، كما لا يجوز اقتراح تعديل النظام الملكي ومبدأ الحكم الوراثي في البحرين بأي حال من الأحوال، وكذلك نظام المجلسين ومبادئ الحرية والمساواة المقررة في هذا الدستور. بالإضافة إلى ذلك فإن صلاحيات الملك المبيّنة في الدستور لا يجوز اقتراح تعديلها في فترة النيابة عنه.
من جانب آخر فإنه يحق لجلالة الملك اقتراح تعديل الدستور حسب الصلاحيات الدستورية التي يتمتع بها. وفي هذه الحالة يقوم رئيس مجلس الوزراء بإخطار رئيس مجلس النواب بالإرادة الملكية بطلب تعديل الدستور، ويجب أن يتضمن هذا الطلب تحديد مواد الدستور المطلوب حذفها أو إضافتها أو المطلوب تغيير أحكامها، وأن يرفق بطلب التعديل بيان بالمبررات الداعية إلى ذلك.
ويأمر رئيس مجلس النواب بطباعة كتاب رئيس مجلس الوزراء بطلب التعديل والبيان المرفق به خلال أربع وعشرين ساعة من وروده إلى المجلس، كما يأمر بتوزيعه على كافة الأعضاء.
ويعقد مجلس النواب جلسة خاصة خلال أسبوع من تاريخ ورود طلب تعديل الدستور من رئيس مجلس الوزراء، ويعرض رئيس المجلس بياناً شارحاً لهذا الطلب على المجلس قبل أن يقرر إحالته إلى لجنة الشؤون التشريعية والقانونية لإعداد تقرير عنه خلال خمسة عشر يوماً من إحالته إليها. ويجب أن تُضمن اللجنة تقريرها رأيها في مبدأ التعديل، وصياغة مشروع المواد المقترح تعديلها أو إضافتها في حالة موافقتها على مبدأ التعديل.
ويتلى مشروع تقرير اللجنة عليها في جلسة يحضرها ثلثا أعضائها على الأقل قبل تقديمه إلى المجلس، كما تجب موافقة اللجنة بأغلبية أعضائها على المشروع بعد مناقشتها له. ويحدد المجلس جلسة لنظر تقرير لجنة الشؤون التشريعية والقانونية بشأن تعديل الدستور خلال الخمسة عشر يوماً التالية لتقديمه لرئيس المجلس، مرفقاً به نص طلب التعديل ومبرراته. ويتلى تقرير اللجنة بالمجلس قبل مناقشته، ويصدر قرار المجلس بالموافقة على التعديل بأغلبية ثلثي عدد أعضائه، ويجرى التصويت في هذه الحالة نداءً بالاسم.
في جميع الأحوال التي يوافق فيها مجلس النواب على تعديل الدستور وعلى المواد المعدلة له، يخطر رئيس المجلس رئيس مجلس الشورى بذلك لعرض التعديل على المجلس لاتخاذ الإجراءات المقررة في هذا الشأن.
من هنا فإن تعديل الدستور أمر متاح وحق دستوري لأعضاء السلطة التشريعية سواءً كانوا نواباً منتخبين، أو أعضاء في مجلس الشورى تم تعيينهم من قبل جلالة الملك. وقد يرى البعض أن إجراءات التعديل معقدة، ولكنها في الحقيقة معمول بها في العديد من الدساتير العربية والأوروبية، إذ عادة ما يتم التشدد في إجراءات التعديل على الدستور لضمان استقراره وعدم المساس به بتعديلات مستمرة قد تفقده صفة التعاقدية، وقد تمس الحقوق والمكتسبات التي منحت للمواطنين الواردة في الدستور نفسه.
من هنا فإن التعديلات الدستورية المقبلة، تكمن أهميتها في جانبين؛ الأول أنها تعتبر أول تعديلات دستورية تمر من خلال السلطة التشريعية، وبالتالي ستخضع لنقاش ممثلي الشعب بشكل مباشر، وهي خطوة مهمة لضمان الحفاظ على صفة التعاقدية التي يتسم بها الدستور. أما الجانب الثاني، فإنها تتعلق بضرورة تراكم الخبرات وتطوير التجربة الدستورية للمملكة بمزيد من الممارسة السياسية الإيجابية التي تكفل الاستقرار للبرلمان على المدى الطويل.
واللافت هنا أن التعديلات الدستورية المقبلة جاءت بناءً على توافق شعبي واسع من خلال المشاركين في حوار التوافق الوطني الذين مثلوا مختلف مكونات المجتمع، ولكن لعدم تمتع المشاركين أنفسهم بصلاحيات سياسية أو دستورية، تمت إحالة التعديلات إلى السلطة التشريعية التي تملك الصلاحيات الكافية بإجراء التعديلات المناسبة ومناقشتها قبل ذلك.