الديمقراطية في مملكة البحرين التي أرسيت دعائمها الأولى في التجربة البرلمانية التي تمت بعد الاستقلال مباشرة تعد مقدمة لمستقبل الديمقراطية التي نشهدها منذ نحو عقد من الزمن بعد الاستفتاء التاريخي على ميثاق العمل الوطني.
تلك التجربة المبكرة أعطت العديد من الدروس للتجربة الحالية، وأكدت على ضرورة أن تكون هناك اعتبارات معينة تؤثر وتتأثر بالديمقراطية في مجتمع البحرين إذا كانت هناك رغبة وإصرار على استقرار الديمقراطية وضمان استمراريتها.
من هنا فإن فهم خصوصية الديمقراطية البحرينية تعني ضرورة أن تتناسب خصائص وطبيعة المجتمع المحلي مع هذه الديمقراطية، خصوصاً وأنه لا يوجد في العالم شكل معين للديمقراطية، فمبادئ الديمقراطية عامة ومشتركة بين الدول، ولكن شكل الديمقراطية ومؤسساتها وممارساتها وآلياتها تختلف من دولة لأخرى، ولذلك نجد مجموعة من الدول لها برلمانات ذات مجلس واحد، في حين أن معظم بلدان العالم الديمقراطية لديها برلمان يتكون من مجلسين. وفي بعض الديمقراطيات تكون هناك كوتا (الكوتا مجموعة من المقاعد تخصص لتمثيل طوائف وأقليات وجماعات في المجتمع) في تشكيلة البرلمانات سواءً بالانتخاب أو التعيين.
خصوصية الديمقراطية من متطلبات تكوين الثقافة السياسية الواسعة لأنها تساهم في التعرف على السبب الذي يؤدي لأن تكون الديمقراطية في إحدى الدول بهذا الشكل، وكذلك الحال بالنسبة لمملكة البحرين التي لا يمكن فهم الديمقراطية فيها بمعزل عن فهم طبيعة المجتمع وخصائصه وسماته المتعددة، بالإضافة إلى جذوره التاريخية، وارتباطاته الإقليمية والدولية.
يمكن عرض أبرز السمات التي تميّز الديمقراطية البحرينية في الآتي:
أولاً: ديمقراطية بإرادة ورغبة بحرينية خالصة:
في العديد من البلدان فإن الديمقراطية يتم فرضها على الدولة وشعبها، خصوصاً في الدول التي تشهد أزمات دولية أو حروباً أهلية تؤدي إلى تدخل أطراف دولية سواءً كانت منظمات أو حكومات أجنبية لإيقاف الأزمة والصراع بين عدة أطراف ويتم فرض نظام سياسي يحقق درجة معينة من الديمقراطية، وهنا تكون الديمقراطية مشوّهة وغير متوافق عليها في معظم الأوقات لأنها فرضت من الخارج ولم تأت بناءً على قناعة داخلية. سيّما وأن فرض الديمقراطية من الخارج عادة لا يراعي طبيعة وخصوصية المجتمع الذي تفرض عليه الديمقراطية، مما يؤدي في أوقات كثيرة إلى تعطل عملية التحول الديمقراطي، وتواجه الدولة أزمات أخرى.
في الديمقراطية البحرينية فإن التحول الديمقراطي تم بإرادة وطنية خالصة عندما اتخذ حضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة عاهل البلاد المفدى قراره التاريخي بالبدء في التحول الديمقراطي بعد أن تشاور مع مختلف مكونات المجتمع وتعرف على تطلعاتها ورؤاها في هذا المجال. وهو ما ساهم في حصول قرار التحول الديمقراطي على دعم شعبي كبير في المجتمع، لأن هذا القرار كان قراراً بالشراكة بين الحكم والشعب وهو ما يؤكد خصوصية الديمقراطية البحرينية لتكون شراكة بين كافة الأطراف في المجتمع المحلي.
ثانياً: ديمقراطية توافقية وتعاقدية:
الديمقراطية كمبدأ تعني التوافق بين عدة أطراف من خلال عملية تعاقدية سواءً كانت مكتوبة أو غير مكتوبة على الشراكة في الحكم عبر تحديد الحقوق والواجبات والمسؤوليات المشتركة بين كافة الأطراف.
وفي بعض البلدان فإن التحول الديمقراطي لا يقوم على هذه الرؤية، بل تكون هناك اختلافات واسعة بين مكونات المجتمع سواءً كانت طوائف وأقليات أو جماعات مصالح أو أحزاب سياسية.. إلخ حول شكل الديمقراطية، وهو ما يؤدي إلى مجموعة من الأزمات التي تواجهها الدولة بسبب وجود ديمقراطية غير توافقية وغير تعاقدية بين أطراف المجتمع نفسه.
أما في الحالة البحرينية، فإن الوضع مختلف إذ كان التصور الأولي أن يتم إعداد ميثاق العمل الوطني من خلال اللجنة التي شكلها عاهل البلاد المفدى، لترفع إلى مؤتمر وطني للمناقشة النهائية. ولكن الرغبة الملكية السامية أكدت أهمية أن تقوم الديمقراطية البحرينية على التوافق والتعاقد بين كافة الأطراف في تلك المرحلة التاريخية الهامة ليقرر العاهل أن يطرح مشروع الميثاق في استفتاء شعبي عام يقام لأول مرة في تاريخ بلدان مجلس التعاون الخليجي.
هذا التوافق والتعاقد الذي مهّد لتعديلات دستورية تمت في 14 فبراير 2002 كان الهدف الرئيس منه هو ضرورة أن يكون هناك اتفاق عام بين مكونات المجتمع المختلفة على شكل وطبيعة الديمقراطية التي ستشهدها البحرين خلال السنوات التالية. ومثل هذه الخطوة من شأنها الحفاظ على استقرار الديمقراطية وضمان عدم حدوث أزمات أثناء مرحلة التحول الديمقراطي.
ثالثاً: ديمقراطية تحافظ على استقرار وتوازن المجتمع التعددي:
تختلف المجتمعات في العالم بين مجتمعات غير تعددية، ومجتمعات تعددية، ويقصد بالتعددية أن يكون في المجتمع الواحد تنوع من الناحية الطائفية أو الدينية أو الإثنية.. إلخ. والتعددية مسألة هامة في بناء الديمقراطية، إذ يفترض أن يتم تشكيل الديمقراطية الجديدة حسب طبيعة المجتمع ودرجة تعدديته، لأن الديمقراطية يجب أن تخدم التعددية وتضمن استقرارها وتوازن كافة الأطراف دون إقصاء أو تهميش مصالح ومطالب أي طرف.
أما في مملكة البحرين، فإن الديمقراطية البحرينية تتمتع بخصوصية في مراعاتها بشكل كبير استقرار وتوازن مجتمع البحرين التعددي الذي يضم المسلمين السُنة والشيعة، والأقليتين المسيحية واليهودية، بالإضافة إلى جماعات وأقليات أخرى أصغر حجماً. وبالتالي فإن التحول الديمقراطي الذي بدأ عام 2001 كان من المهم أن يراعي هذه التعددية، ويضمن أن يكون شكل الديمقراطية وآلياتها يساهم في تمثيل كافة مكونات المجتمع بفرص عادلة ومتساوية. ولذلك على سبيل المثال نجد أن مجلس الشورى (يضم 40 عضواً بالتعيين من جلالة الملك) تمثل فيه الأقليات باستمرار، وكذلك بعض الجماعات مثل التكنوقراط ورجال الأعمال والقانونيين والأكاديميين والأطباء.. إلخ.
رابعاً: ديمقراطية قابلة للتطور الذاتي:
لا توجد تجربة ديمقراطية في العالم وصلت لمرحلة المثالية، بل أن جميع التجارب تعتبر تجارب متطورة وتستفيد من بعضها بعضاً مع التطور الزمني بما يتناسب وظروفها وخصوصية مجتمعاتها. ولذلك فإن الديمقراطية البحرينية لم تضع سقفاً أو حداً نهائياً لتطورها، بل أن الفرصة مفتوحة أمام التطور المستقبلي باستمرار وبما يتناسب مع ظروف المجتمع وخصوصيته.
والديمقراطية البحرينية أيضاً وضعت لنفسها الأطر والآليات والوسائل الكفيلة بتطوير الديمقراطية في أي وقت، كما هو الحال بالنسبة لصلاحية التعديلات الدستورية التي يتمتع بها أعضاء السلطة التشريعية.