يشكل إقبال المرأة البحرينية على المشاركة في الانتخابات البرلمانية التكميلية محطة مختلفة من مشاركتها السياسية ضمن التحول الديمقراطي الذي تشهده البلاد منذ العام 2001.
ولكن لماذا تكون مشاركتها في هذه الانتخابات مختلفة رغم مشاركاتها المتعددة في الاستحقاقات الانتخابية الثلاث السابقة؟
من الواضح أن المرأة وصلت لمرحلة من الوعي والإدراك السياسي لا تختلف عن الوعي الذي وصل إليه نظيرها الرجل مع إصرار مزدوج من قبل المرأة نفسها على مباشرة حقوقها السياسية، وممارسة حقوقها الدستورية بالمشاركة في التشريع والرقابة عبر البرلمان. ومن قبل الدولة نفسها التي دشنت برامج ومشاريع متنوعة لتمكين المرأة سياسياً لتحقيق مبدأ أصيل من مبادئ دستور مملكة البحرين الذي كفل المساواة بين الرجل والمرأة في الشأن العام.
هذا الإصرار المزدوج من قبل المرأة والدولة تطور بشكل متسارع منذ الفصل التشريعي الأول عام 2002، عندما شاركت المرأة بقوة في الانتخابات البرلمانية، ولم تتمكن من الوصول إلى قبة مجلس النواب. ولكن الإصرار المستمر ساهم في وصولها إلى هدفها بتمثيل الشعب في المجلس النيابي في الفصل التشريعي الثاني عام 2006، كما أنها أثبتت جدارتها بثقة الناخبين واستطاعت الفوز بعضوية المجلس النيابي مرة أخرى في الفصل التشريعي الثالث عام 2010، وبالانتخابات التكميلية فإنها صارت تنافس الرجل على مقاعد المجلس النيابي الأربعين.
الانتخابات التكميلية التي تقام لأول مرة في المملكة، تتنافس فيها 8 مترشحات، وهي نسبة مرتفعة نسبياً مقارنة بعدد المترشحين. وقبل يوم التصويت تمكنت مترشحة من الفوز بعد انسحاب المترشحين الآخرين الذين أبدوا قناعتهم بكفاءتها لتمثيل ثقة وإرادة الناخبين لما تتمتع به من كفاءة. وهذا التطور يعكس تحولاً في المجتمع تجاه المزيد من القناعة بكفاءة المرأة وقدرتها على التشريع والرقابة البرلمانية، وإيماناً حقيقياً بضرورة تمكينها سياسياً باعتبارها شريكاً أساسياً في المجتمع.
أهمية دخول المرأة إلى مجلس النواب تحديداً لها العديد من الدلالات، وهي كالآتي:
أولاً: بيان درجة نضج المجتمع السياسي، وحرصه على أن يكون ممثلاً حقيقياً عنه بوجود كافة مكوناته فيه.
ثانياً: ضرورة تنوع تركيبة المجلس النيابي من الرجال والنساء لضمان درجة عالية من الثراء والتنوع في الرأي عند اتخاذ قرارات وتشريعات تخص المجتمع بأكمله.
ثالثاً: إمكانية وقدرة المرأة على إبداء الرأي في المواضيع التي تهمها، وكذلك بعض الفئات الأخرى التي تولي المرأة اهتماماً خاصاً بها مثل الأطفال والشباب وذوي الاحتياجات الخاصة وغيرها من الفئات.
رابعاً: دخول المرأة للمجلس النيابي يعكس درجة التنمية الحضارية التي وصل لها المجتمع، وتجاوزه وجود ثقافة سياسية لا تقوم على المساواة.
إلا أن الأهم من ذلك أن دخول المرأة للمجلس النيابي تعكس مدى إيمان المواطنين بشكل عام، والناخبين على وجه الخصوص بمبدأ المساواة في مباشرة الحقوق السياسية بين الرجل والمرأة الذي أقره الدستور الذي توافق عليه شعب البحرين من خلال ميثاق العمل الوطني.
المجتمع بات الآن أكثر قبولاً من أي وقت مضى لمشاركة المرأة السياسية، بعد أن أثبتت جدارتها في مختلف المهام والمشاريع التي أسندت لها، سواءً منذ توليها الحقائب الوزارية، أو تمثيلها للدولة من خلال تولي المناصب الدبلوماسية، أو حتى وصولها إلى رئاسة الجمعية العامة للأمم المتحدة وهي أعلى هياكل المنظمة الدولية.
الحاجة ماسة اليوم لمزيد من الدعم لمشاركة المرأة في الانتخابات البرلمانية التكميلية سواء كانت ناخبة أو مرشحة، وهو دعم لا يقتصر على الناخبين من الرجال والنساء، أو حتى الجمعيات السياسية التي يحق لها المشاركة في الانتخابات باسمها. ولكن يمتد ليشمل كذلك مؤسسات المجتمع المدني المختلفة التي يفترض إيمانها بدور كافة فئات المجتمع في المشاركة السياسية، وعدم اقتصارها على فئة معينة دون أخرى، فالتمكين السياسي يجب أن يشمل كافة الفئات منذ الطفولة مروراً بالناشئة والشباب وحتى مرحلة الكهولة.
هناك العديد من الفرص الواعدة لمشاركة المرأة السياسية بعد الانتخابات البرلمانية التكميلية في هذه المرحلة الهامة. فوصول مجموعة من النساء إلى المجلس النيابي سيتيح المجال لتشكيل أول كتلة نسائية في الغرفة المنتخبة من السلطة التشريعية. بالإضافة إلى أن ذلك يعزز من وجود كتلة نسائية فاعلة في مجلس الشورى باعتباره الغرفة المعينة. خصوصاً أن الكتلة النسائية في مجلس الشورى لها دور كبير منذ الفصل التشريعي الأول على تحقيق العديد من الإنجازات للمرأة نفسها، وللمجتمع بشكل عام، وأثبتت المرأة جدارتها وقدرتها على الإنجاز السياسي. وبالتالي هناك فرصة لمزيد من التعاون والتنسيق بين مجلسي السلطة التشريعية.
كما أن وجود مثل هذه الكتلة النسائية سواءً في مجلس الشورى أو حتى مع إمكانية تشكيل كتلة مماثلة في المجلس النيابي سيساهم في تراكم الخبرات البرلمانية النسائية، وهي خبرات مازالت البحرين بحاجة لها في سياق التحول الديمقراطي الذي تشهده منذ أكثر من عقد من الزمن.
أيضاً من الفرص الواعدة أن المرأة ستشارك في صياغة مستقبل البحرين خلال الفترة المقبلة من خلال البرلمان الذي سيناقش التعديلات الدستورية ومشاريع القوانين التي طرحت في حوار التوافق الوطني، وهو الحوار الذي شاركت فيه المرأة بفاعلية. ودخولها مجدداً لقبة المجلس النيابي سيكمل هذا الدور المميز الذي بدأته.
المرأة اليوم أمام تحد حقيقي لأنها تواجه محاولة جديدة لإثبات كفاءتها السياسية في مساعيها لزيادة مقاعدها في المجلس النيابي، وهي محاولة لتضيف رصيداً فريداً من نوعه في التاريخ السياسي للمرأة البحرينية، وهو تاريخ حافل بسلسلة طويلة من الإنجازات التي مازلنا بحاجة لها.
إن مشاركة المرأة في الانتخابات البرلمانية التكميلية لها أهمية كبيرة، لأنها تعكس قناعة البحرين، وقناعة المواطنين والناخبين بالمرأة وأهمية مشاركتها السياسية، ومدى الحرص على إنجاح مشاريع التمكين السياسي. والأهم من ذلك دعم مسيرة الإصلاح السياسي، وممارسة الحقوق السياسية التي كفلها الدستور لكافة شرائح المجتمع.