كانت النظم الانتخابية ولا تزال الشغل الشاغل لرجال السياسة وموضع اهتمام فقهاء القانون الدستوري والمعنيين بالانتخابات، كونها تشكل المحور الأساس للعمليات الانتخابية. وتختلف نظم الانتخاب والتصويت وأساليبها من دولة لأخرى، تبعاً للظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية لكل دولة، ومدى تغلغل الروح الديمقراطية في نظامها السياسي، وطبيعة التكوين الاجتماعي والتقدم الحضاري والثقافي لشعبها، ذلك أن كل دولة تحتاج إلى نظام انتخابي يتوافق مع متطلباتها واحتياجاتها وتركيبتها. إن اختيار الدولة لنظام انتخابي معين في وقت ما، يمكن أن يتغير خلال مراحل تطورها السياسي. فما يمكن أن يناسب الدولة اليوم قد لا يناسبها في الغد. فالتقدم الحضاري والسياسي والثقافي والتكوين الاجتماعي للمجتمع يشكل عاملاً أساسياً في اختلاف نظم الانتخاب والتصويت من دولة إلى أخرى. كما تؤثر في هذا الاختلاف الظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية لكل دوله.
التعريف بالنظم الانتخابية
النظم الانتخابية هي آليات تُتبع للتعبير عن إرادة الشعب عن طريق الانتخابات، وهذه النظم ضرورية لفرز وتحديد النواب المنتخبين. وبذلك تختلف نظم الانتخابات عن حق التصويت، فحق التصويت وتنظيمه هو مرحلة سابقة على نظم الانتخاب، وهذه النظم ضرورة عملية ترتكز على أساليب فنية محددة تتسم عادة بالتعقيد.
يعرف الباحث سعد مظلوم العبدلي نظم الانتخاب بأنها "الآليات المتبعة لتحويل أصوات الناخبين إلى ما يقابلها من المقاعد في الهيئات المنتخبة، عبر إتباع طرق حسابية معينة، متأثرة في ذلك بالواقع الاجتماعي والسياسي والاقتصادي للبلد".
وتنحصر النظم الانتخابية عموماً في أربعة أنظمة رئيسية: هي الانتخاب المباشر والانتخاب غير المباشر، الانتخاب الفردي والانتخاب بالقائمة، الانتخاب بالأغلبية ونظام التمثيل النسبي، نظام تمثيل المصالح والمهن.
أولا: الانتخاب المباشر والانتخاب غير المباشر
عندما يتولى الناخبون اختيار أعضاء الهيئات النيابية مباشرة دون وسيط، فإن الانتخاب هنا يكون مباشراً، لأن عملية الانتخاب تتم على درجة واحدة أو مرحلة واحدة. ويكون الانتخاب غير مباشراً إذا تمت عملية الانتخاب على درجتين أو أكثر، بحيث يقتصر دور الناخبين على انتخاب مندوبين عنهم يتولون بدورهم مهمة اختيار أعضاء البرلمان من بين المرشحين. ويبرر الانتخاب غير المباشر بأنه يجعل عملية انتخاب أعضاء الهيئة النيابية في أيدي عدد محدود من المندوبين يتمتعون بالقدرة على اختيار أصلح العناصر من بين المرشحين، إذ أنهم أكثر تأهيلاً للقيام بهذه المهمة من ناخبي الدرجة الأولى وأكثر شعوراً بالمسؤولية وأوسع خبرة بالشؤون السياسية. ولهذا يذهب البعض إلى القول بأن نظام الانتخاب غير المباشر أكثر صلاحية للبلاد الحديثة العهد بالنظام النيابي، والمتواضعة في مجال التقدم الاجتماعي والثقافي.
يُعد الانتخاب المباشر هو النظام الأكثر قرباً من المبدأ الديمقراطي، إذ يمارس الشعب حقه الانتخابي بطريقة مباشرة دون وساطة أحد كما يحدث في الانتخاب غير المباشر. ويمّكن نظام الانتخاب المباشر القاعدة الشعبية العريضة من الاضطلاع بمهمّة اختيار أعضاء البرلمان بحرية أكثر، بحيث يصعب الضغط عليها أو التأثير فيها بسهولة من جانب الأحزاب السياسية، وذلك بعكس الانتخاب غير المباشر، حيث يكون عدد المندوبين في الدرجة الثانية قليلاً، مما يساعد على زيادة تأثير الأحزاب السياسية المختلفة عليهم، بالإضافة إلى سهولة انتشار جرائم التزوير، أو الرشوة، أو استخدام العنف، أو غيرها من الوسائل والأفعّال المخلة بالعملية الانتخابية.
ويضيف البعض إلى ايجابيات الانتخاب المباشر أنه يُنمي من اهتمام الشعوب، وخاصة الحديثة العهد بالحياة النيابية بالمفاهيم الديمقراطية، ومن شعورهم بالمسئولية الملقاة على عاتقهم، ويزيد من اهتمام الناخبين بالشؤون السياسية، مما يؤدي إلى تنمية الوعي السياسي لديهم.
ثانيا: الانتخاب الفردي والانتخاب بالقائمة
ويقصد بالانتخاب الفردي ذلك النظام الذي يقوم فيه الناخبون في دائرة انتخابية معينة بانتخاب شخص واحد يمثلهم في البرلمان، في حين ينصبُ اختيارهم في الانتخاب بالقائمة على عدداً من الأشخاص ليكونوا نواباً عنهم، وعلى هذا الأساس يختلف أسلوب تقسيم الدوائر الانتخابية في الدولة في ظل الانتخاب الفردي عنه في الانتخاب بالقائمة. ففي نظام الانتخاب الفردي تقسم الدولة إلى دوائر انتخابية صغيرة بحيث يُنتخب عن كل دائرة انتخابية نائب واحد، بينما تكون الدوائر الانتخابية كبيرة في حالة الأخذ بنظام الانتخاب بالقائمة، على اعتبار أن كل دائرة ستنتخب عدداً من النواب. من هنا يتضح الأساس الذي يقوم عليه الانتخاب الفردي وهو الدائرة الصغيرة التي تتولى انتخاب نائب واحد فقط، وأن أساس الانتخاب بالقائمة هو الدائرة الكبيرة التي تقوم بانتخاب عدداً من النواب.
ويفضل البعض نظام الانتخاب الفردي لكونه يمّكن الناخب من معرفة المرشحين معرفة شخصية، بحيث يختار من يراه أكثر صلاحية لتمثيله في البرلمان، نظراً لصغر حجم الدائرة الانتخابية، مما يؤدي إلى نشوء صلة وثيقة تربط النائب بالناخبين فتحمله على الاهتمام بشؤون الدائرة، والاستجابة لرغبات الناخبين لكي يحصل على تأييدهم عند إعادة الترشيح في الدائرة مرة أخرى.
ويتمتع نظام الانتخاب الفردي بالبساطة والسهولة والوضوح في عملية الاختيار، على عكس ما يحدث في حالة الأخذ بالانتخاب بالقائمة، إذ يجهل الناخب شخصية المرشحين في معظم الأحوال بسبب كبر حجم الدائرة الانتخابية، بالإضافة إلى اضطرار الناخب لاختيار قائمة بذاتها بدون تغيير، كما هو الشأن في نظام الانتخاب بالقوائم المغلقة.
ويأخذ البعض على نظام الانتخاب الفردي بأنه قد يجعل من المرشح – أو النائب أسيراً لإرادة ناخبيه وتقديمه لمصلحة ناخبي دائرته، بينما يقل تأثير الناخبين على المرشحين في نظام التصويت بالقائمة.
ويأخذ البعض على نظام التصويت بالقائمة على أنه يقلل من حرية الناخبين في الاختيار، ويؤدي إلى استبداد الأحزاب السياسية التي تتحكم في أسماء المرشحين، خصوصاً إذا كان النظام المطبق هو نظام القائمة المغلقة. كما أن مهمة الاختيار تكون شاقة أمام الناخبين بسبب اتساع حجم الدائرة الانتخابية، وكثرة المرشحين مما يجعل معرفة الناخب للمرشحين والمفاضلة بينهم مهمة صعبة إن لم تكن عسيرة بعكس الحال في ظل نظام الانتخاب الفردي.