17 يوليو 2011
الحوار والتوافق الوطني (3)
يكتسب الحوار الوطني في مملكة البحرين أهمية خاصة، يرتبط فيها مفهومي الحوار بالشراكة الوطنية، والتوافق الوطني العام.

الحوار الشراكة  والوحدة الوطنية في مملكة البحرين:

يكتسب الحوار الوطني في مملكة البحرين أهمية خاصة، يرتبط فيها مفهومي الحوار بالشراكة الوطنية، والتوافق الوطني العام.

تربط بعض الاتجاهات الفكرية بين مفهومي الحوار والشراكة في منظور واحد، ومن شأن هذا المنظور  المركب تأمين نتائج الحوار  في الاتجاه الايجابي، وذلك بناء على قواسم مشتركة  بين مفهومين من شأنها تعزيز الوحدة الوطنية، وتخليص الدولة والمجتمع من احتمالات الاستقطاب أو الاحتقان، والوصول إلى مرحلة  جديدة تتجه نحو البناء والنهضة التي ميزت العهد الإصلاحي لحضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة عاهل البلاد المفدى.


يحمل الحوار والشراكة  العديد من القواسم المشتركة التي تجمع المفهومين معاً، والتي من خلالهما تتعزز روح الوحدة الوطنية  في مملكة البحرين.

  

أهم هذه القواسم المشتركة :

· الترابط والتماسك،  بمعنى التكامل و تلاحم النسيج المجتمعي، وبنية الدولة.


· المساهمة والمشاركة، فالجميع له دور يشارك به، والمشاركة هنا مفتوحة ومتاحة لجميع فئات وعناصر المجتمع والدولة دون استثناء.


· المسؤولية والحرص على المصلحة العامة، مسؤولية يغذيها الانتماء الوطني وحب الوطن وضرورة حمايته ونجدته وقت الشدة، وتبني المواقف البناءة وسرعة الحركة للإنقاذ وتفادي خسائر لا داعي لها في  وقت هو في أشد الحاجة لتعبئة الموارد والجهود من أجل البناء والرخاء.

  

الشراكة والحوار والتطلع لمستقبل أفضل :


يفترض منظور حوار الشراكة  أن تتاح الفرصة للمشاركة المفتوحة، دون قيود أو شروط،  أمام كافة فئات المجتمع وعناصر ومؤسسات الدولة بما في ذلك المؤسسات الرسمية، وغير الرسمية كمؤسسات المجتمع المدني بما فيها الجمعيات الحقوقية وكذلك الأفراد، بما يعني شراكة واسعة وحقيقية جوهرها  قبول الآخر وحرية التعبير وهدفها التوافق والوصول إلى صيغة وطنية مشتركة يقبلها الجميع، تستهل بها مملكة البحرين مرحلة جديدة في تطورها السياسي والاقتصادي والاجتماعي، وتتطلع نحو المستقبل بثقة وأمل.

ورغم تعدد المستويات، والتنوع والاختلاف الذي يميز أطراف الحوار والشراكة، إلا أن الهدف دائماً هو بناء توافق وطني عام كمثل أعلى  يجب تكريس كل الجهود لتحقيقه، ومثل هذا التوافق الوطني العام يعد أساساً ضرورياً لكل من مرحلة  التهدئة والرضا العام، ومرحلة تضافر قوى البناء ورفعة الوطن، وهي مرحلة يلزم سرعة العمل مباشرة للدخول إليها ، ولا بديل في البناء والنهضة عن سواعد أبناء البحرين وتوافقهم جميعاً.


مستويات الحوار وتحديد موقع التوافق الوطني:

تتعدد مستويات الحوار وأشكاله، فالحوار قد يكون ذاتياً أي داخلياً بين الشخص وذاته، وقد يكون حضارياً أو ثقافياً بين الثقافات والحضارات في العالم، أي بين حضارة كاملة وما تمثله من دول وكيانات وأقاليم وحضارة أخرى. كما قد يكون وطنياً أي داخل إقليم دولة أو وطن واحد، وقد يكون الحوار داخل جماعة أو مؤسسة كالبرلمان مثل الحوار البرلماني أو الحوار النقابي وهكذا.

كذلك قد يكون تقسيم أشكال الحوار على أساس نوعية القضايا التي يتناولها ، وهكذا يمكن التمييز بين الحوار السياسي أو الحوار الاستراتيجي أو الحوار الامنى  أو الحوار الاجتماعي حيث يدور الحوار هنا حول قضايا ومحاور ذات طابع نوعي خاص: اقتصادي أو أمني أو استراتيجي أو اجتماعي.

وقد يضم الحوار أكثر من مستوى واحد، فالحوار البرلماني قد يكون داخل حدود الدولة أو بين عدة دول، أي على مستوى عالمي، فيمكن تصور حوار برلماني داخل المملكة أو حوار برلماني عربي على مستوى الأقطار العربية أو حوار برلماني عالمي على مستوى الاتحاد البرلماني الدولي.

وبناء على هذا التعدد في مستويات الحوار ، فإن التوافق الوطني يجعل من الحوار حواراً شاملاً  يضم المجتمع بكامله، ويعالج كافة القضايا والأولويات المثارة.

متطلبات نجاح الحوار والتوافق الوطني:


يمكن تحديد ركنين للحوار هما من متطلبات نجاحه:

الركن الأول: أطراف الحوار وما تمثله هذه الأطراف من آراء وأهداف وأطياف في المجتمع، ومن تعددية في السمات الثقافية والاجتماعية والتعليم والثقافة التي يمثلها هؤلاء الأطراف.

الركن الثاني: قضايا الحوار وما تشكله هذه القضايا من قيم ومصالح ومن مواقف وتأثيرات.

ويضيف بعض الكتاب ركناً ثالثاً للحوار هو مناخ الحوار، بمعنى البيئة المادية والمعنوية والتنظيمية التي تحيط بالحوار ويتضمن مناخ الحوار وبيئته الآتي:   


1- مكان الحوار والقواعد والإجراءات المنظمة له وعملية تنظيم وترتيب وقائعه، وما يرتبط بذلك من طريقة التواصل وتجهيز الوثائق وأساليب الحوار، وعلاقة عملية الحوار بالجهة التي تتولى الإدارة وبالإعلام وبمصادر المعلومات وغيرها من متغيرات وعناصر لها أهميتها.

2- المناخ السيكولوجي والسياسي السائد وما يعكسه من درجة للحرية الفكرية ومن التسامح وقبول مختلف الآراء والتوجهات وأسس للتعايش وقبول الآخر ومدى السماح بتمثيل مختلف التوجهات والرؤى مهما اختلفت وتنوعت وتباينت فيما بينها.

وتشكل هذه الأركان أهمية رئيسية في نجاح الحوار وتحقيق أهدافه. فالأطراف من خلال تصرفاتهم ونماذج السلوك التي يمثلونها يمكنهم المساهمة في إنجاح الحوار. كما أن بعض تصرفاتهم قد تعوق الحوار، كالتعصب والبعد عن الموضوعية وعدم احترام الطرف المتحاور.

وقضايا الحوار ذاتها قد تعوق الحوار، خصوصاً عند عدم التحديد الدقيق لموضوعات وقضايا الحوار، والمحاور التي يجب أن يتناولها، والهدف من الحوار ذاته، وما تمثله تلك القضايا المثارة من اهتمامات وطنية أو من قيم ومصالح ومشاعر لفئات المجتمع وعناصره المختلفة.

كذلك فإن مناخ أو بيئة الحوار غير الصالحة من شأنها إفساد الحوار والحد من تحقيق الأهداف المنشودة منه.

  

جدوى الحوار:

تعتمد جدوى الحوار على مدى ما يتوافر له من أركان وشروط أساسية. فالحوار لا يمكن أن يكون مجرد جلسات استماع، أو تبادل للكلمات. وتوافر الأركان والشروط يعني:

أولا: تحديد أطراف الحوار بشكل كلي شامل يمثل كل من يحق له الحوار وجدية الأطراف والتزامهم آداب الحوار وأخلاقياته والهدف الأساسي منه. 


ثانيا: يجب بلورة القضايا وتحديد محاورها. والحوار دائما أداة للوصول إلى تعريف بالآراء والاتجاهات الممثلة في الحوار، واستكشاف أبعادها وآفاقها وإمكانيات الانسجام والتوافق بينها، وما إذا كان يمكن الوصول إلى حلول توفيقية وسط بشأنها.

ومن العوامل التي تعزز نتائج الحوار ما يلي:

1. توفر الحرية الفكرية: حيث يتطلب الحوار الهادف للوصول إلى نقطة التفاهم أن يملك أطراف الحوار حرية الحركة الفكرية التي تحقق له الثقة بشخصيته وبحيث لا يكون واقعا تحت أي تأثير للهيمنة أو الضغط عليه.


2. الاستعداد النفسي للقبول بالنتائج: حيث يلزم لمن يدخل في عملية الحوار أن يعد نفسه لتقبل النتائج التي يؤول إليها الحوار وان يهيئ عقله للاقتناع بها لان رفض النتائج وعدم تقبلها يحول الحوار إلى جدل عقيم.

3. التخلي عن الأفكار والأحكام المسبقة: فلابد وان يتخلص أطراف الحوار من أفكارهم المسبقة سواء بالنسبة لرؤيتهم للأطراف الأخرى المشاركة في الحوار أو بالنسبة للقضية محل الحوار.

4. الحق في الاختلاف: فاحترام الحق في الاختلاف أمر مشروع لأنه حق من حقوق الإنسان الهدف منه مقاومة الاستلاب الثقافي والحفاظ على الهوية وهو الوسيلة الطبيعية للحفاظ على التنوع والتعدد.

5. التسامح:  مفهوم التسامح وفقا لليونسكو هو احترام الآخرين وحرياتهم والاعتراف بالاختلافات بين الأفراد والقبول بها ومن ثم فهو تقدير التنوع الثقافي والانفتاح على الأفكار والثقافات الأخرى بدافع الاطلاع وعدم رفض ما هو غير معروف . هكذا تكتسب الجوانب النفسية والشخصية أهمية خاصة في نطاق أي حوار نظرا لكونه عملية إنسانية في الأساس.

وهناك من يؤكد على مجموعة من القواعد العامة التي تتعلق بأطراف الحوار، وضرورة الالتزام بها كي يصلوا بحوارهم إلى أقصى مستوى ممكن من الفعالية منها:

1- اعتماد العقل والمنطق

وهو ما يعنى التزام أطراف الحوار بالطرق المنطقية في الحوار وذلك من خلال الالتزام بتقديم الأدلة المثبتة لأي فرضية أو فكرة يتم طرحها.

2- عدم التناقض


وتعنى هذه القاعدة عدم التعارض بين الأفكار التي يطرحها المحاور وعد التناقض فيما يقوله.

3- الحياد والموضوعية و إنصاف أطراف الحوار


بمعنى التجرد من كل المؤثرات الجانبية عقائدية كانت أم ذاتية فالأصل في المحاور أن يكون متجرداً عن المؤثرات لضمان إنصاف الأطراف المتحاورة الأخرى.

4- حماية أطراف الحوار


وهو ما يعنى ألا يوصف أي طرف بأنه مخطئ أو مصيب، بحيث يكون أسلوب الحوار قائماً على الإقناع دون إهانة أي طرف من أطراف الحوار.

5- المساواة بين أطراف الحوار


المساواة بين أطراف الحوار يبعث في نفوسهم الطمأنينة وتدفعهم لمزاولة الحوار بدرجة عالية من الثقة بالنفس.

6- تحديد الغاية من الحوار وتوضيحها


يحتاج الحوار الفعال إلى تحديد واضح للهدف أو الغاية التي يدور من حولها الحوار مع ضرورة أن تكون الغاية واضحة والهدف أو الأهداف محددة ومعقولة ومقبولة وقابلة للتطبيق.

7- توفير البيئة الملائمة للتفكير السليم والابتعاد عن الأجواء الانفعالية التي تفقد المشاركين في الحوار استقلالهم الفكري ويبعدهم عن الحقيقة.

لذلك فالحوار أداة أساسية لتعليم الشباب وتربيتهم على التفاهم والوسطية وقبول الرأي الآخر والاعتدال.

روابط ذات صلة