يعد الحوار نوعاً من أنواع الاتصال الإنساني، ويتم عادة بين طرفين أو أكثر لتبادل الآراء والأفكار ووجهات النظر، بهدف الوقوف على هذه الآراء والأفكار وما تمثله من قواسم مشتركة أو مظاهر للاختلاف والتنوع، وإمكانية تحقيق الانسجام والتوافق بينها.
الحوار ليس مجرد حديث أو تواصل بين طرفين أو أكثر وإنما هو عملية تفاعل فكري حول قضية معينة بهدف الإلمام بكافة الرؤى والأفكار الممكنة حول هذه القضية ومحاولة التوافق بشأنها.
وعملية الحوار في الواقع المعاصر تكتسب أهمية خاصة نظرا لظروف هذا العصر، وبالنظر إلى أهداف وغايات التنمية السياسية، كما أن عملية الحوار تتطلب انفتاحا فكرياً وتسامياً على الأمور الذاتية وتخلصاً من أي أحكام مسبقة تجاه موضوع الحوار وأطرافه من التعصب والانفعال مع التسلح بقيم التسامح والتعايش المشترك.
ويعتمد الحوار على التعددية في الرؤى وفي وجهات النظر وعدم التعصب وهو ما يتفق والطابع الإنساني للحوار. فرؤية الإنسان دائماً نسبية وليست مطلقة، حيث الحقائق والواقع دائماً ما تكون متعددة الجوانب والزوايا، من حيث طبيعتها النسبية عادة، لذا فإن الحوار يقوم على أساس هذه النسبية، ونجاحه يتم عندما تتكامل الرؤى ووجهات النظر وتتضامن في اقترابها من الحقيقة.
الحوار والتوافق الوطني وغايات التنمية السياسية:
إذا كان هدف الحوار ومسماه يرتبط بالتوافق الوطني فإنه يتفق وأهداف التنمية السياسية، والتي تجعل من الغايات والأهداف المركزية لأي نظام سياسي هو السعي إلى تحقيق التكامل والانسجام والتوافق بين الأطراف والقوى المختلفة في المجتمع السياسي، وما تمثله هذه الأطراف من قيم ومصالح ورؤى، وتحقيق التوافق بينها لخلق نوع من الإجماع الوطني الذي يحترم التعددية والتنوع بين مختلف الشرائح والفئات والقوى، وبما يعزز في الوقت ذاته القواسم المشتركة التي تجمع بينها، في إطار الوحدة الوطنية والانتماء للوطن الواحد.
والحقيقة إن الحوار البناء والناجح يعد أداة فعالة لتحقيق أهداف التنمية السياسية في المشاركة والعقلانية وفي تحقيق قيم التسامح والانفتاح، وثقافة السلام ونبذ العنف في المجتمع المعاصر، كما أن للحوار تأثيراته الايجابية في بناء دولة المواطنة والعدالة والإنصاف.
تتضح إذن علاقة الحوار بالتنمية السياسية من خلال ما يؤكده الحوار من اعتبارات أهمها:
1- التعليم والتنشئة، فالحوار أداة للتعليم والتنشئة والتوعية السياسية، ووسيلة لبناء المعرفة وتطويرها.
2- المشاركة الواسعة للأفراد والجماعات، والبعد عن الإقصاء أو الاستبعاد.
3- التسامح والانفتاح والتعددية، والبعد عن الانغلاق والتعصب والتطرف و الاستقطاب.
4- السلام ونبذ العنف، فالحوار أداة للتواصل الإنساني وتقديم البديل عن العنف.
5- بناء دولة المواطنة استناداً إلى أسس المساواة والعدالة والإنصاف وسيادة القانون، فالجميع له فرص متكافئة في التعبير عن توجهاته وما يمثله من قيم واتجاهات.
6- بناء وتعزيز الأطر المؤسسية القائمة على أسس من التوافق والرضا العام، فالحوار يعزز الثقة في الأطر القائمة ويمنحها الدعم والتأييد.
فالحوار أداة للتنشئة والتعليم، لمختلف الأطراف المشاركة فيه ومن خلاله يتعلم الجميع الأفكار والرؤى والحجج والمنطق، وأساليب ومناهج اكتساب المعارف والمعلومات وتطويرها. كما يتيح الحوار فرصة المشاركة الحقيقية أمام مختلف القوى والأطراف الفاعلة في الحياة السياسية والاجتماعية ، ويمنحها فرصا متكافئة للتعبير عن مطالبها وطموحاتها، وعن رؤيتها للوقائع والتطورات والمستجدات.
الحوار والتوافق الوطني وتحقيق المصلحة العليا للوطن:
يمكن للحوار والتوافق الوطني تحقيق الصالح العام في هذه المرحلة من مراحل التطور السياسي في مملكة البحرين بالرغم من اختلاف التعريفات التي تفسر معناه خصوصا عندما استند إلى نظام مفتوح يسمح لكل فئات المجتمع وعناصره وتياراته بأن يكون لها صوت ورأي، أي بأن تشارك مشاركة حقيقية، تستند إلى معايير المواطنة وسيادة القانون، والمساواة بين كافة أبناء الوطن الواحد، بصرف النظر عن الاختلافات بينهم في الدين أو المذهب أوفي العرق أو الجنس أو اللون، أو الاتجاه السياسي والانتماء الأيديولوجي.
أن الوحدة الوطنية تعني الترابط والانصهار والتكامل بين أجزاء وعناصر المجتمع الواحد، والتماسك بينها، وتبدو أهمية مثل هذه الوحدة خصوصاً في أوقات المحن والخطر. من هنا فإن الحفاظ على الوحدة الوطنية وتعزيزها يعد أحد أبرز عناصر الصالح العام الذي يتجاوز مصلحة فئة أو جماعة أو أفراد. وتعد الوحدة الوطنية من أهم الثوابت الوطنية التي لا يمكن تحقيق الصالح العام أو البناء والتقدم إلا بناء عليها، وهو ما تؤكده تجارب النهضة وبناء الدولة في مختلف النماذج.
من هنا يأتي الحوار والتوافق الوطني في مرحلة هامة من التحولات التي حققها المشروع الإصلاحي لحضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة عاهل البلاد المفدى، في اتجاه بناء الدولة الحديثة. فعملية بناء الدولة الحديثة، تستلزم تضافر كل الجهود الوطنية، ودمج الإرادة الشعبية مع القيادة والنخبة السياسية، وتحقيق الاستقرار والأمن، وترجمة أسس المواطنة في شكل سلوكيات تعبر عن الانتماء الوطني والمساواة بين جميع المواطنين في الحقوق والواجبات، وبناء أسس للمواطنة الاجتماعية، بمعنى الرفاهية للجميع في مجالات كالتعليم والصحة مثلاً. من هنا تتحقق المشاركة على نطاق واسع، فيسهم جميع أبناء الوطن، على اختلاف فئاتهم وتوجهاتهم وجماعاتهم، في البناء الوطني، في جو من التعاون والانسجام. وبإيجاز فإن الدولة الحديثة القوية لا يمكن أن تتحقق دون الوحدة الوطنية.
فمن خلال الحوار والتوافق الوطني يتحقق الصالح العام إذا أمكن من خلال هذا الحوار تعزيز وحماية الوحدة الوطنية والتي تقوم على أساس وجود وطن واحد وشعب واحد. وتجسيد الحياة السياسية في إرادة سياسية واحدة. ويؤكد التاريخ تميز تجربة مملكة البحرين في وحدتها الوطنية ، ليس فقط على أساس الوطن الواحد والشعب الواحد، وإنما أيضا وفق ما تثبته شخصيه المواطن البحريني من روح التكافل والتضامن وأيضا التسامح والانفتاح على الآخر. هذه الوحدة والتجانس الفريد لم يمنع من قيام تعددية في إطار إثراء الحياة الثقافية والسياسية والاجتماعية، وهكذا فإن روح التعايش والتسامح تعد سمة جوهرية للنموذج البحريني.
ويحتاج الأمر دائماً إلى العقلانية وتبنى شعارات "الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة"، والتأكيد على أصالة التجربة، وخصوصيتها، والتي تدور حول التسامح بيننا كأفراد وجماعات، وغرس حب الوطن ومشاركة المواطن في تطويره والمحافظة على استقراره منذ سنوات الطفولة المبكرة عبر الأسرة وما تقدمه من نماذج للانتماء والولاء، والفكر والممارسة.
ضرورات التوافق الوطني
وكثيرا ما يشدد الباحثون على ضرورة مشاركة جميع الأطراف، فلا يحتكر الحوار فئة أو جماعة أو أطراف بعينها دون غيرها، بينما يتم استبعاد أو إقصاء غيرها، ومن خلال هذه المشاركة الواسعة يصبح الحوار بمثابة القناة المعبرة عن المجتمع بكامل أطيافه واتجاهاته، والممثلة بمختلف الفئات والطبقات والأجيال، وفي مقدمتها جيل الشباب والفئات الأكثر ضعفا في المجتمع والتي في مقدمتها المرأة وصغار الشباب والأقل دخلا.
يفترض الحوار الناجح الاستناد إلى المنطق والعقل، بل والحكمة والنظرة المتأنية. ومن شأن الحوار إبراز دور الأطراف الأكثر منطقية وعقلانية، وتبنى البدائل والحلول التي تطرحها. ومن شأن العقلانية حماية المجتمع والنظام السياسي من العناصر والمتغيرات غير الرشيدة التي تهدد أمن الوطن واستقراره، وتعرقل مسيرة التطور السياسي والنهضة والتنمية.
الحوار يقوم على قاعدة حرية الرأي والتعبير عن مختلف وجهات النظر وإتاحة مناخ من التسامح ومن شأن هذا المناخ تخليص المجتمع من حالات الاستقطاب والانغلاق ومن الاحتقان وما يسمى أحيانا " التخندق الفكري أو المذهبي" وعندما يتحقق مثل هذا المناخ يصبح الحوار أداة مثالية لنبذ العنف والتعصب وتقديم البديل السلمي أمام مختلف القوى والأطراف في تفاعلاتها وإدارة العلاقات بينها من خلال طريق " الحكمة والموعظة الحسنة" وليس العنف أو التهديد الذي يفرضه التعصب والتطرف مهما كانت مصادره.
تتحقق الحلول التوفيقية وتتقارب الآراء ووجهات النظر المختلفة من خلال الحوار والذي تتاح فيه الفرص المتكافئة أمام الجميع للتعبير عن الرأي ووجهات النظر وعلى قدم المساواة. ومثل هذه الوظيفة التوفيقية التي يحققها الحوار من شأنها تعزيز روح المواطنة وتأكيد الثقة في مؤسسات الدولة والأطر القانونية القائمة فيها. بعبارة أخرى فان الحوار من شأنه تحقيق أهداف التنمية السياسية وغاياتها الأساسية في المشاركة والعقلانية في التسامح والسلام في التعددية وتكافؤ الفرص وفي بناء روح المواطنة وتقوية المؤسسات وسيادة القانون.
ومن خلال ما تقدم يمكننا القول بأن التفاهم هو نتاج للحوار فمن خلال الحوار يمكن لإطرافه أن يتفهم كل منهم الآخر، فمن خلال الحوار يتعرف كل طرف على رؤى وأفكار وثقافة الأطراف الأخرى بصدد القضية محل الحوار وبالتالي تقوية أواصر المجتمع وتماسكه.