لقد جاء تحول دستور البحرين من نظام المجلس الواحد إلى نظام المجلسين استناداً لما ورد في ميثاق العمل الوطني، حيث تم تخصيص الفصل الخامس من ميثاق العمل الوطني لموضوع الحياة النيابية، فنص (... بأن من صالح دولة البحرين أن تتكون السلطة التشريعية من مجلسين، مجلس منتخب انتخاباً حراً مباشراً يتولى المهام التشريعية إلى جانب مجلس معين يضم أصحاب الخبرة والاختصاص... )
ونص الميثاق كذلك على جعل أهم التعديلات الدستورية التي يجب إجرائها في الدستور هو تعديل أحكام الفصل الثاني من الباب الرابع الخاص بالسلطة التشريعية، فجاء في استشرافات المستقبل ما يلي ( تعدل أحكام الفصل الثاني من الباب الرابع من الدستور الخاصة بالسلطة التشريعية لتلائم التطورات الديمقراطية والدستورية في العالم وذلك باستحداث نظام المجلسين، بحيث يكون الأول مجلساً منتخباً انتخاباً حراً مباشراً يختار المواطنون نوابهم فيه ويتولى المهام التشريعية، إلى جانب مجلس معين يضم أصحاب الخبرة والاختصاص للاستعانة بآرائهم فيما تتطلبه الشورى من علم وتجربة).
وقد تم تعديل النصوص الخاصة بالسلطة التشريعية، استناداً لما ورد في الميثاق، وأخذ المشرع الدستوري بنظر الاعتبار القواعد الدستورية الخاصة بنظام المجلسين ( والتي بيناها سابقاً )، من حيث المغايرة بين المجلسين في الاختصاص والتكوين.
فمن حيث المغايرة بين المجلسين في الاختصاص، نرى بأن مجلس النواب أختص لوحده بالوظيفة السياسية أو الرقابية، حيث نص الدستور بعد التعديل في المادة (66) الفقرة (أ) على أن كل وزير مسئول أمام مجلس النواب عن أعمال وزارته، كذلك نصت المادة (65) على قدرة خمسة نواب تقديم طلب استجواب لأي وزير من الوزراء، ويحق لعشرة أعضاء من مجلس النواب تقديم طلب طرح الثقة بأي وزير ، فإذا قرر المجلس بأغلبية ثلثي الأعضاء الذين يتألف منهم عدم الثقة بأحد الوزراء اعتبر معتزلاً للوزارة من تاريخ قرار عدم الثقة به ويقدم استقالته فوراً، إضافة إلى قدرة مجلس النواب على تشكيل لجان تحقيق، وإبداء رغبات مكتوبة للحكومة. في حين يشترك المجلسان ( النواب والشورى ) في الوظيفة التشريعية. بمعنى آخر أن الوظيفة الرقابية أو السياسية قاصرة على المجلس المنتخب دون المعين.
كذلك تمت المغايرة بين المجلسين من حيث التكوين، فمجلس النواب يشكل بالانتخاب العام المباشر السري، في حين يشكل مجلس الشورى بالتعيين، مع ملاحظة أن ميثاق العمل الوطني قد حدد أسلوب تشكيل كل من المجلسين، حيث نص على ( بأن من صالح دولة البحرين أن تتكون السلطة التشريعية من مجلسين، مجلس منتخب انتخاباً حراً مباشراً يتولى المهام التشريعية إلى جانب مجلس معين يضم أصحاب الخبرة والاختصاص .. ) كذلك يشترط في عضو مجلس الشورى أن لا يقل سنه يوم التعيين عن خمسة وثلاثين سنة ميلادية كاملة، وأن يكون ممن تتوافر فيهم الخبرة أو من الذين أدوا خدمات جليلة للوطن. بينما يشترط في عضو مجلس النواب أن لا يقل سنه يوم الانتخاب عن ثلاثين سنة ميلادية كاملة، وأن يجيد القراءة والكتابة باللغة العربية.
ولكن المشرع الدستوري قد ساوى بين المجلسين من حيث الأعضاء، واستند في ذلك إلى نص الميثاق، الذي أكد على ضرورة إنشاء مجلسين متوازنين، فإذا لم يتحقق التوازن بالاختصاص، ولا بالشروط اللازم توافرها في الأعضاء، ولا في طريقة التشكيل، لم يبقى إلا أن تتم الموازنة بين المجلسين في العدد.
ويذهب البعض إلى أن المجلس المعين يجب أن يقتصر دوره على إبداء المشورة دون أن تكون له سلطات فعلية أو حقيقية، وهذا الكلام يتناقض مع أساسيات نظام المجلسين الذي يفترض وجود مجلسين يتمتعان باختصاصات فعلية. أما إذا كان أحد المجلسين يقتصر دوره على إبداء الرأي والمشورة، دون أن يتمتع باختصاصات فعلية، فإن هذا النظام لا يعتبر من نظم المجلسين، وإنما يعتبر من نظام المجلس الواحد.
فنظام المجلسين يفترض بصورة رئيسية وجود مجلسين يشتركان بالعملية التشريعية بصورة أساسية، لكي تتم الاستفادة من خبرة وكفاءة المجلس المعين، وإلا فما هي أهمية وجود مجلس استشاري إلى جانب المجلس المنتخب، إذا كان المجلس المنتخب له أن يأخذ برأيه أو يتركه، وإلا كيف ستتحقق مزايا نظام المجلسين، وأهمها رفع كفاءة المجالس النيابية.
كذلك فقد أكد الميثاق على مشاركة المجلس المعين بالوظيفة التشريعية، عندما نص على أن (.. تتكون السلطة التشريعية من مجلسين مجلس منتخب .. يتولى المهام التشريعية إلى جانب مجلس معين ..) وهذا النص يعطي دلالة واضحة على مشاركة المجلسين بالوظيفة التشريعية، فكلمة ( إلى جانب ) تدل على هذا المعنى.
وفي ضوء ما تقدم، وفي ظل فشل تجربة نظام المجلس الواحد في البحرين، يمكننا أن نتلمس الأثر الطيب الذي ترتب على التجربة الدستورية الجديدة في ظل نظام المجلسين.
لقد انتقلت البحرين إلى نظام الاقتراع العام، وهذا قد لا يساعد في وصول أصحاب الكفاءات إلى عضوية مجلس النواب المنتخب، عندئذ سيعمل مجلس الشورى عن طريق التعيين من قبل صاحب الجلالة ملك البحرين في وصول أصحاب الخبرة والاختصاص خاصة إن من ابرز الشروط الواجب توافرها في أعضاء مجلس الشورى أن يكونوا من أصحاب الخبرة والدراية، بينما يتم اختيار أعضاء مجلس النواب بواسطة الانتخاب من قبل الشعب، وهذا سيؤدي إلى تشكيل السلطة التشريعية على نحو يتضافر فيه عاملي الحكمة والخبرة والدراية والاختصاص من جانب، والتوجهات العامة للناخب البحريني من جانب آخر.
وقد أثبت المجلسان في الفصول التشريعية السابقة قدرتهما على التعاون في سبيل تحقيق الإجادة التشريعية، وتخليص القوانين من الشوائب والعيوب التي قد يصيبها، حيث يعمل مجلس الشورى، وهو المجلس الذي تخرج منه التشريعات بصورتها النهائية قبل التصديق عليها، ويكون بمثابة المرشح الذي يزيل الشوائب التي تصيب القانون. أن نظر التشريع من قبل مجلس النواب ودراسته ومناقشته والتصديق عليه، ثم انتقاله إلى مجلس الشورى المكون من أصحاب الخبرة والاختصاص ودراسته ومناقشته والتصويت عليه، سوف يؤدي حتماً إلى منع صدور تشريعات معيبة، بل من المؤمل أن تكون هذه التشريعات أكثر اتقاناً وأقرب إلى المصلحة العامة، وأن تتسم دائماً بالدقة والتأني.
وأخيراً فأن وجود نظام المجلسين سوف يمنع بالتأكيد ميل المجلس المنتخب نحو الاستبداد، ولا يقصد بالاستبداد هنا صورته المعروفة ، وإنما ذلك الاستبداد الفكري، الذي يدفع المجلس النيابي المنتخب بالتعدي والافتئات على الحكومة، بحجة أنه نائب عن الشعب والأقرب تمثيلاً له.
وهكذا نخلص إلى حسنات نظام المجلسين، وإلى أن إقراره في مملكة البحرين حقق العديد من الفوائد التي تتمثل في رفع مستوى كفاءة السلطة التشريعية، وتحقيق الإجادة التشريعية، وتخفيف ما قد يحدث من نزاع بين السلطة التشريعية والحكومة.