يحيا العالم اليوم عصر الديمقراطية، حيث تجتاح القارات والدول موجات من التحول والاصلاح، تتخذ مسميات عديدة، كالاصلاح السياسي والتحول والانتقال الديمقراطي، أو التحديث السياسي، وأحيانا تتخذ مسمى حقوق الإنسان وحرياته الأساسية، وكلها ترجمة لما يعرف بالديمقراطية.
السؤال الآن يدور حول تعريف الديمقراطية: ماذا تعني الديمقراطية؟ وكيف تتحقق في بلادنا ذات الخصوصية التي يحددها سياقها التاريخي والحضاري: العربي والإسلامي. وهل هي مجرد صيغة يتحقق من خلالها مبدأ حكم الشعب بالشعب ومن أجل الشعب؟ وكيف تتحقق مثل هذه الصيغة فى أرض الواقع؟
يمكن الإجابة عن سؤال تعريف الديمقراطية،ومن منظور العلوم السياسية، وبالتحديد نظريات التنمية السياسية، بالتركيز على ثلاث محاور أساسية:-
المحور الاول: الديمقراطية كمؤسسات أوكأبنية ومنظمات.
المحور الثاني: الديمقراطية كثقافة أوكنسق للقيم والاتجاهات والمعايير والمعارف.
المحور الثالث: الديمقراطية كآليات وسلوك سياسي واجتماعي عام.
وفيما يلي تفصيل هذه المحاور:
المحور الأول: الديمقراطية كمؤسسات وأبنية و منظمات:
فالديمقراطية لا تقوم إلا من خلال مؤسسات فعالة، وأهم هذه المؤسسات:
1- البرلمان بمجلسيه، حيث أصبحت معظم دول العالم تتجه الآن إلى الأخذ بنظام البرلمان ذي المجلسين، بما يضمن التمثيل السياسي الديمقراطي من جهة، وتمثيل الخبرات والكفاءات والتخصصات النوعية في الوقت ذاته.
2- قضاء مستقل يكفل العدالة للجميع، فى الوقت المناسب وبالتكلفة الممكنة، و يحقق دولة القانون التي يتمتع فيها الجميع بالمساواة وفق الدستور والقوانين.
3- سلطة تنفيذية حديثة تتميز بالفاعلية والكفاءة، وتضم في كنفها مؤسسات للخدمة المدنية قادرة على إنجاز متطلبات التطور والنمو، وتلبية الحاجات الأساسية للمجتمع والدولة.
4- جمعيات ومنظمات طوعية مهما كانت مسمياتها : أحزاب أو منظمات أهلية أو نقابية أو دفاعية، أو جمعيات سياسية ومؤسسات المجتمع المدني، وتتنوع أهداف هذه المنظمات والجمعيات، فقد تكون خيرية أوحقوقية أو اجتماعية أو أقتصادية أومهنية.
ومن خلال علاقات التفاعل والتشابك بين هذه المؤسسات، على اختلاف أنواعها ومستوياتها، يتشكل النظام السياسي في إطاره البنيوي، ويتجه في حالته المثالية، إلى النمط الديمقراطي في صورته المتميزة.
المحور الثاني: الديمقراطية كثقافة أو كنسق للقيم والاتجاهات :
الديمقراطية لا تعني فقط أبنية مؤسسية، إنها تعني أيضا طريقة حياة الناس وتفكيرهم وتصوراتهم ونماذج القيم والتوجهات التي تؤثر فيهم.
والديمقراطية لها طابعها العالمي العام. وتتوقع نظريات عديدة أن تسيطر على مستقبل البشر في كل مكان، وفى وقت ليس ببعيد. كما أنها ليست حكرا على ثقافة أو حضارة أو جنس. إنها ممارسة وسلوك وثقافة وتراث يعد ملكا للبشرية جمعاء.
الثقافة الملائمة شرط أساسي، ومن متطلبات الديمقراطية، فلا يقوم نظام ديمقراطي دون "ثقافة سياسية ديمقراطية" تقوم على أنساق من القيم و المعتقدات التي لا غنى عنها للديمقراطية.
والثقافة الملائمة للديمقراطية يمكن غرسها وتطويرها من خلال أدوات كالأسرة والمدرسة ووسائل الإعلام، والمساجد والمآتم. وتعرف هذه الأدوات بأدوات التنشئة السياسية، وتتعزز الديمقراطية اذا ما عززت هذه الأدوات فى الممارسة ،والتزمت بطريقة الحياة الديمقراطية.
من أهم هذه الأنساق القيمية أو المعيارية للديمقراطية:-
1- قيم المواطنة التي تعني أن جميع أبناء الدولة، على اختلاف انتماءاتهم العرقية والجنسية والدينية واللغوية، هم أبناء وطن واحد، مواطنون أحرار متساوون وفق الدستور والقانون.
2- قيم المشاركة التي تعني أن للجميع الحق في المساهمة في الشأن العام، وفي اتخاذ القرارات، وفي جهود التنمية والنهضة.
3- العقلانية التي تعد أساسا لقيام الدولة الحديثة، فالديمقراطية أساسها العقل والحكمة، واحترام ملكة العقل التي ينفرد بها الانسان عن كافة المخلوقات.
4- قيم التسامح واللاعنف، فالديمقراطية أساسها السلام والانسجام بين عناصر وفئات المجتمع، ويتم تسوية الخلافات وإدارة العلاقات من خلال الحوار والتوفيق بين مختلف الأطراف والاتجاهات.
5- قبول الآخر والتعايش معا ، فالديمقراطية لا تتحقق في إطار يتم فيه إقصاء الآخر او تهميشه، كما انها تحترم حقوق الانسان: حقوق الأفراد و حقوق الجماعات.
6- التعددية : فالتنوع و الاختلاف من شأنه إثراء المجتمع و تعزيز التجربة الديمقراطية, ومن شأن التعددية ازدهار الاراء والهويات والولاءات ومختلف مظاهرالتنوع الثقافي والاجتماعي في إطار الهوية الوطنية الواحدة، و الولاء الوطني.
المحور الثالث: الديمقراطية كآليات وسلوك عام:
الديمقراطية لا يمكن تحقيقها إلا من خلال آليات وسلوكيات محددة تتعلق بالشأن العام. أهم هذه الآليات:عمليات الانتخاب والاستفتاء، والأهم منها هو احترام صوت الشعب وإرادته. فاختيار الشعب لممثليه في البرلمان يجب أن يحظى بالاحترام، وعملية الاختيار – بمعني الانتخابات النيابية والبلدية- يجب آن تحظي بالمصداقية والنزاهة. وهكذا تجرى الانتخابات، وتؤدى وظيفتها الديمقراطية، فيتحول المواطن من خلالها من مجرد مواطن عادى إلى نائب برلماني أوعضو في مجلس بلدي.
هنا تتحقق الديمقراطية في مستويين:
1- المستوى الاول: حرية الانتخابات وضمانات نزاهتها وسلامتها.
2- المستوى الثانى: تولي من يتم انتخابهم للمنصب الذى تحدده عملية الانتخابات، سواء عضو برلماني أو بلدي.
الديمقراطية، إذن، مؤسسات سياسية فعالة وقادرة على العمل بفعالية وكفاءة، وهي أيضا ثقافة تكفل السلام واللاعنف، والمشاركة والحوار، وتضافر للقوى، وعقلانية في السلوك، ولها آلياتها وسلوكياتها.
إنها أكثر من مجرد وصفة ترتبط بسمات او إجراءات أو نصوص يتم نقلها عن الآخرين.
إنها طريقة للحياة، وللتفاعل، وللعمل الجماعي، ولصيانة الحقوق والواجبات، ولتوجيه الطاقات في اتجاه حياة تحركها المثل العليا: الحرية والعدالة والمساواة.