تشكل دولة القانون أحد مظاهر التطور الحضاري في عالم اليوم، في القرن الحادي والعشرين، فضلا عن ذلك فإنها تعد أحد الأهداف والغايات التي تسعى إليها خطط واستراتيجيات التنمية السياسية عبر الحضارات والقارات، وعبر مختلف النظم والأيديولوجيات.
ولتوضيح أهمية وملامح النموذج الذي تمثله دولة القانون، والنتائج المترتبة عليه، نبدأ هذا المقال بتحديد مفهوم الدولة، مفهوم القانون، وأهم الأسس التي تستند إليها دولة القانون، والتداعيات والآثار المتوقعة لبناء وتطور مثل هذا النموذج.
يشير مفهوم الدولة إلى كيان يرتكز إلى ثلاث مكونات أساسية تشمل: الإقليم والشعب والسلطة التي تتميز بالسيادة. أما القانون فإنه يشير إلى القواعد التي تنظم العلاقات في الدولة، بين الأفراد، ومؤسسات السلطة، وكافة الهيئات والكيانات القائمة على الإقليم. ويعد الدستور هو القانون الرئيسي الذي يجب ألا تتعارض معه القوانين الأخرى في الدولة.
تقوم دولة القانون على أسس ومبادئ من أهمها:
1- مبدأ الدستورية، واحترام الدستور قولا وعملا.
2- حقوق الإنسان، وحرياته الأساسية، والضمانات التي تكفلها.
3- استقلال القضاء، وفاعليته واحترام الأحكام التي يصدرها.
4- الفصل بين السلطات، وعدم تركيزها، وهو استقلال نسبي.
5- آليات تضمن حكم القانون، وتطبيق مبدأ سيادة القانون في أرض الموقع.
والحقيقة أن دولة القانون تعني في جوهرها خضوع المواطنين جميعا، والدولة بكافة مؤسساتها وسلطاتها وإداراتها للقانون، وللدستور، دون تمييز، مهما كانت انتماءات هؤلاء العرقية أو الدينية أو السياسية أو الإيديولوجية . فلا يتصور أن يستثنى من ذلك فئة أو جماعة، أو مؤسسة أو أفراد، فالحقوق والواجبات، الحريات والمسئوليات، تنظمها القوانين، واقعا وفعلا كذلك نصا وقولا، ويؤكد الاتجاه السائد في الفكر السياسي على أهمية ذلك باعتباره الأساس لقيام أي نظام ديمقراطي.
كما يؤكد كثير من الفقهاء على أن دولة القانون، وما تفرضه من سيادة القانون واحترامه، تعد مدخلا أساسيا لاحترام حرية الفرد. والإنسان الحر هو أساس المجتمع الحر، فالقانون في المجتمع الحر هو خادم للحرية، وهو أداة تحقيق العدالة، ويحمل في مغزاه معنى المساواة وعدم التمييز.
بناء على ذلك فان دولة القانون تحقق المثل العليا الثلاث الكبرى للحضارة الإنسانية والتي تمثلها قيم الحرية والعدالة والمساواة.
في مملكة البحرين، يؤكد كلاً من ميثاق العمل الوطني والدستورأهمية دولة القانون ومكانتها في المشروع الإصلاحي لحضرة صاحب الجلالة الملك المفدى حمد بن عيسى آل خليفة عاهل البلاد المفدى. فدولة القانون وسيادة القانون هي الأساس لتحقيق مبدأ "العدل أساس الحكم"، وهو المبدأ الذي تضمنه ميثاق العمل الوطني في الفصل الأول، والذي يأتي تحت عنوان "المقومات الأساسية للمجتمع "باعتباره أساساً للحرية والأمن والطمأنينة، والتضامن الاجتماعي وتكافؤ الفرص بين المواطنين. كما أكد الميثاق استقلال القضاء وحصانته كضمانات أساسية لحماية الحقوق والحريات، وتتجه جهود الدولة إلى توفير هذه الضمانات واستكمال عناصرها.
كما اعتبر الميثاق دولة القانون، في الفصل الثاني، أحد المتطلبات الأساسية لاستكمال مقومات الديمقراطية، وشكل الدولة الدستوري، بحيث أصبحت دولة القانون هي الأداة لتحقيق الاستقرار والوحدة الوطنية، وتدفع بمملكة البحرين لتحتل مكانة رائدة بين النظم الديمقراطية.
لقد تبنى ميثاق العمل الوطني مفهوماً أوسع لدولة القانون، من خلال التأكيد على أهمية المساواة بين الناس في الكرامة الإنسانية، وما يحققه ذلك من ضمانات للحريات الشخصية والمساواة والعدالة بين المواطنين، والتي يقع عبئ كفالتها للمواطنين جميعاً دون تفرقة على الدولة.
تنص المادة (18) من الدستور على أن "الناس سواسية... لا تمييز بينهم في ذلك بسبب الجنس أو الأصل أو اللغة أو الدين أو العقيدة"، ويقر الدستور الحرية الشخصية والمكفولة وفقاً للقانون (المادة 19).
ويتضمن دستور مملكة البحرين محاور أساسية تؤكد مفهوم دولة القانون كأساس للنظام السياسي، باعتباره نظام "ملكية دستورية قائمة على الشورى والمشاركة"، ويستند إلى توسيع دوائر الحقوق والحريات السياسية والمدنية. كما يؤكد الدستور أنه لا عقوبة ولا جريمة إلا بقانون، وأن المتهم يظل بريئاً حتى تثبت إدانته في محاكمة قانونية يمارس فيها حق الدفاع عن النفس، وحق التقاضي يكفله القانون والدستور (كما تنص المادة 20 من الدستور).
لقد أكد الميثاق والدستور مبدأ سيادة القانون، كما أقرا هذا المبدأ كأساس للعدالة في الحكم، وأيضاً في الممارسات الاجتماعية والاقتصادية، وأكدا احترام الملكية الخاصة، ورأس المال والعمل كحقوق فردية لها طابعها الاجتماعي، والتي ينظمها القانون.
وتؤكد المادة (9) من الدستور على حقوق العمل والملكية، وتنظيم القانون لهذه الحقوق، كما تؤكد أن الملكية الخاصة مصونة، واعتبار سيادة القانون الأساس في تنظيم حقوق الملكية والأموال العامة.
وتؤكد المادة (10) مفهوم دولة القانون واحترامه كأساس لبناء اقتصاد وطني أساسه العدالة الاجتماعية لتحقيق الرخاء للمواطنين، وأهداف وخطط التنمية الاقتصادية للمملكة.