تعد الوحدة الوطنية من أهم الثوابت الوطنية التي لا يمكن تحقيق البناء والتقدم إلا بناء عليها، وهذا ما تؤكده تجارب النهضة وبناء الدولة في مختلف النماذج. فالدولة القومية الحديثة التي نشأت في أوروبا منذ قرون، قامت على أساس تثبيت أركان "الوحدة الوطنية" بها، أو ما سمي بالوحدة القومية في حالتها. تؤكد النماذج الأخرى في مختلف القارات، من أمريكا إلى اليابان، ومن الصين والهند إلى المكسيك والبرازيل على ضرورة التمسك بالوحدة الوطنية وأولوياتها في عملية البناء والتنمية.
ويكتسب مفهوم الوحدة الوطنية أهميته المركزية من علاقته بعدة عمليات مثل بناء الدولة الحديثة، و الإصلاح والتطور. وهي العمليات التي تتخذها الدول التي تسعى إلى النهضة والتقدم. ذلك أن الوحدة الوطنية تشكل بنية أساسية لكلا العمليتين في وقت واحد.
إن عملية بناء الدولة الحديثة، تستلزم تضافر الجهود الوطنية، ودمج الإرادة الشعبية مع القيادة الحاكمة والنخبة السياسية، وتحقيق الاستقرار والأمن في المجتمع، وترجمة أسس المواطنة في شكل سلوكيات تعبر عن الانتماء الوطني والمساواة بين جميع المواطنين دون تفرقة على أساس الدين أو المذهب أو اللون أو الجنس في الحقوق والواجبات. كما تستلزم بناء أسس للمواطنة الاجتماعية، بمعنى الرفاهية للجميع في مجالات مختلفة مثل التعليم والصحة، من هنا تتحقق المشاركة على نطاق واسع، فيسهم جميع أبناء الوطن، في البناء الوطني، في جو من التعاون والانسجام.
إن عملية الإصلاح والتطوير، الذي يعد المشروع الإصلاحي لحضرة صاحب الجلالة الملك المفدى مثالاً بارزاً لها، يؤكد تجسيد الوحدة الوطنية، لأن الإصلاح لا يتحقق إلا من خلال توافق الإرادة الشعبية، وتحقيق إجماع وطني، وشيوع ثقافة التسامح وقبول الآخر، والحوار والتعايش، والتعددية التي تقود إلى إثراء الحياة الثقافية والسياسية والاجتماعية، وثقافة السلام واللاعنف واللاتعصب. هذا الإصلاح يجب أن يترجم إلى تطوير للخطاب الثقافي والديني والسياسي، وللسياسات والبرامج والأهداف التي تتبناها المؤسسات الأهلية والرسمية. وهكذا فإن اساس الإصلاح وسر نجاحه واستمراريته إنما يستمد وجوده من صلابة الوحدة الوطنية وقداستها وعدم المساس بها.
إن أساس الوحدة الوطنية وجود وطن واحد وشعب واحد، وتجسيد الحياة السياسية في إرادة سياسية واحدة. إن محصلة تجارب الماضي تؤكد تميز تجربة مملكة البحرين في وحدتها الوطنية ، ليس فقط على اساس الوطن الواحد و الشعب الواحد وانما ايضا وفق ما تثبته شخصية المواطن البحريني من روح التكافل والتضامن والتسامح والانفتاح على الآخر. هذه الوحدة والتجانس الفريد لم يمنع من قيام تعددية في اطار اثراء الحياة الثقافية والسياسية والاجتماعية ، لذلك فإن روح التعايش والتسامح تعد سمة جوهرية للنموذج البحريني.
وللمحافظة على الوحدة الوطنية يحتاج الأمر إلى العقلانية وتبنى شعارات "الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة"، والتأكيد على أصالة التجربة، وخصوصيتها، التي تدور حول التسامح بيننا كأفراد وجماعات، وغرس حب الوطن ومشاركة المواطن في تطويره والمحافظة على استقراره منذ سنوات الطفولة المبكرة عبر مختلف مؤسسات التنشئة كالأسرة وما تقدمه من نماذج للإنتماء والولاء، والفكر والممارسة، والمدرسة لما لها من دور هام في تنشئة الأجيال الجديدة على احترام رموز الوطن وتقديسها. وعلى مؤسسات الإعلام مسئولية التوعية وخلق الثقة بالذات الوطنية، وبالتجربة وبالنموذج الذي تقدمه مملكة البحرين، وأهداف وخطط وطموحات بلادنا ووطننا الذي يعيش فينا قبل أن نعيش نحن فيه.
وإذا كان العنصر البشري هو هدف التنمية ومحركها، فإن منجزات مملكة البحرين وفق تقارير التنمية البشرية التي تصدرها الأمم المتحدة سنوياً منذ عشرين عاماً، تؤكد على نجاح القادة الحكيمة في وضع الخطط وتنفيذ السياسات والبرامج التي تكفل للمواطنين، وللأجيال القادمة حياة كريمة، ورفاهية يستحقها المواطن البحريني. لقد أكدت تلك التقارير - في آخر إصداراتها: تقرير التنمية البشرية للعام 2010 – انضمام مملكة البحرين إلى مستوى الدول الأكثر تقدماً، أي دول التنمية البشرية المرتفعة جداً، متخطية بذلك مختلف دول الجنوب والكثير من دول آسيا وأوروبا وأمريكا اللاتينية.
وفي إطار المشروع الإصلاحي لحضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة عاهل البلاد المفدى تبدو أهمية الوحدة الوطنية واضحة باعتبارها الدعامة الأساسية التي تستند إليها جهود المملكة وإنجازاتها.
وينص ميثاق العمل الوطني على الأهمية والاستمرارية التي يشكلها ذلك التلاحم الدائم بين القيادة والشعب، والتعامل بحكمة مع التحديات والقضايا الجوهرية. ويؤكد الميثاق – في مقدمته وتحت عنوان شخصية البحرين التاريخية: حضارة ونهضة – تلك الشراكة الدستورية بين الحاكم و الشعب "كترجمة لروح الوحدة الوطنية وتجسيد حي لها. كما يأتي الحفاظ على الوحدة الوطنية ضمن أول أهداف الحكم وأسسه.
ومن ملامح نظام الحكم في مملكة البحرين كما جاء في الباب الثاني من الدستور أن العدل أساس الحكم و التعاون و التراحم صلة وثيقة بين المواطنين و الحرية والمساواة والأمن والطمأنينة والتضامن الاجتماعي وتكافؤ الفرص بين المواطنين دعامات للمجتمع تكفلها الدولة.