يعد النظام السياسي، ومكوناته وبنيته، والسلطات الثلاث، التشريعية والتنفيذية والقضائية، أهم أركان البنيان السياسي للدولة الحديثة.
وفي بداية الأمر تم استخدام مصطلح "الحكومة" بدلاً من النظم السياسية، كما استخدم المصطلح ذاته للدلالة على السلطات الثلاث، سواء في مجملها معاً، أو في التركيز على إحداها (السلطة التنفيذية) دون سواها، بحيث أصبحت كلمة الحكومة مرادفاً لتعبير السلطة التنفيذية. إلا أن التطور لحق بهذا الاستخدام الذي لم يعد مستساغاً في إطار التطورات المتلاحقة والعميقة التي طالت الدراسات السياسية بشكل عام.
ونشير هنا في عجالة إلى مضمون هذه التطورات، ونتاج أو تداعيات ما حدث، وكيف انعكس ذلك على مفهوم النظام السياسي والسلطات الثلاث وتطور دلالات هذا المفهوم.
ويلخص هذه التطورات توجه الدراسات السياسية نحو الأخذ بالطابع العلمي والتحليلات الموضوعية، والتخلي عن السمة الوصفية والسكونية، أو الجمود والشكلية التي ميزتها في الفترات السابقة، وهكذا تحول البحث السياسي من موضوعات تاريخية فلسفية وقانونية إلى تحليلات علمية ونماذج ونظريات أقرب إلى العلوم الطبيعية.
وقد أستجدت خلال هذه التطورات أطر للتحليل كما ظهرت نظريات واقترابات جديدة لعل من أهمها: تحليل النظم، والمؤسسية، والاقتراب الوظيفي. فأضحت هذه الأطر والاقترابات بمثابة الأدوات الأكثر أهمية والأكثر ملائمة لدى الباحثين والمتخصصين في تناولهم لموضوعات ومفاهيم كالنظام السياسي والسلطات الثلاث.
فترتب على هذا التطور – أو ما سمي بالثورة السلوكية في البحوث السياسية – تحول كبير في دلالات مفاهيم النظم والسلطات، كما اختفت مقررات أخذت اسم "الحكومات المقارنة"، من علم السياسة الجديد لتحل محلها مسميات "النظم السياسية المقارنة"، وحلت مصطلحات من قبيل "المؤسسية، والتحليل الوظيفي" محل المصطلح القديم "السلطات الثلاث".
ففيما يتعلق بالنظام السياسي: لم يعد يفهم على أنه الحكومة، وإنما أصبح لمفهوم النظام السياسي مدلولات تتسع لتشمل ثلاث محاور أساسية:
الأول: المؤسسات السياسية الرسمية (السلطات الثلاث التشريعية والتنفيذية والقضائية) وغير الرسمية )منظمات وجمعيات ونقابات واتحادات مهنية وعمالية وفكرية ... ) والتي تتشكل من أبنية وأدوار سياسية.
الثاني : نسق القيم والأفكار والمعايير والتي تشكل ما يعرف بالثقافة السياسية.
الثالث: تفاعل وعلاقات وسلوكيات للأفراد والجماعات والمؤسسات.
وبالنسبة للسلطات الثلاث فقد أضفى على تحليلها اقتراب وظيفي يجعل من التشريع والتنفيذ والتقاضي وفق القواعد والقوانين وظائف، وليس مجرد سلطات، فالتشريع يقوم به البرلمان، لكن قد تقوم به البيروقراطية أو أجهزة الخدمة المدنية، كما قد يقوم به القاضي في تفسيره للقاعدة القانونية عند تطبيقها ... وهكذا.
رغم هذه التحولات الشاملة في مدلولات النظام السياسي والسلطات الثلاث، إلا أنها تظل أهم أركان البنيان السياسي للدولة، كما يظل تطوير قدرات النظام السياسي، ومحورية السلطات الثلاث في قيام دولة القانون والمؤسسات أهم أهداف وغايات التنمية السياسية.