أصبح مفهوم المجتمع المدني من أهم مفردات الديمقراطية والإصلاح التي تتداولها الكتابات والندوات والملتقيات الفكرية منذ تسعينات القرن العشرين. وجاء مفهوم المجتمع المدني مرتبطا بمفاهيم أخرى كالحرية والمشاركة السياسية وثقافة حقوق الإنسان ودولة المؤسسات والقانون.
يعرف المجتمع المدني على أنه مجموعة التنظيمات والمؤسسات التي تنشأ بمبادرات أهلية ، من خلال العمل التطوعي ، والتي لها طابعها الاجتماعي . هذه المنظمات تعمل في مجالات ثقافية و اجتماعية واقتصادية وحقوقية متنوعة وهي في عملها هذا تحظى باستقلال نسبي عن المؤسسات الرسمية إلا أن هذا الاستقلال لا يمنع التنسيق والتكامل مع تلك المؤسسات و ذلك من خلال علاقات التعاون والانسجام فيما بينها. و يظهر العمل التطوعي الذي يميز تلك المنظمات طبيعتها والهدف من أدائها الوظيفي، والذي لا يكون في كل الأحوال الحصول على الربح، و إنما يكون الهدف منه التعبير عن مصالح الأعضاء والغايات والمثل التي ينشدونها، والتي قد تكون على سبيل المثال، نقابية أو مهنية كالاتحادات المهنية والعمالية، وثقافية وفكرية كإتحادات الأدباء والمفكرين والجمعيات الثقافية ، أو حقوقية ودفاعية لجماعات وفئات معينة في المجتمع كالجمعيات المعنية بشئون المرأة والمنظمات المعنية بحقوق الإنسان.
تكتسب تلك المنظمات صفتها المدنية كونها تنبثق من صفوف المجتمع ، بعيداً عن المؤسسات الرسمية، وأيضا من كونها سلمية ، وترتبط بمفهوم وطني واسع يشمل أبناء الوطن جميعاً ، هو مفهوم المواطنة، أكثر من ارتباطها بانتماء محدود لجماعة عرقية أو مذهبية أو عشائرية، بالرغم من الدور الذي قد تلعبه تلك الانتماءات و الولاءات المحدودة في بعض الأحيان. ففي بعض الحالات يعمد بعض المراقبين والباحثين إلى توسيع مفهوم منظمات المجتمع المدني لتشمل تنظيمات ذات طابع ديني أو قبلي أو مناطقي، الأمر الذي يؤكد مرونة المفهوم وتطويعه ليشمل نماذج وتجارب متنوعة.
وبناء على هذا التعريف، الذي يجعل المجتمع المدني مجموعات من منظمات تطوعية سلمية، تبدو أهمية شروط وعناصر محددة لقيام هذا المجتمع المدني وأهمها:
- التنظيم: فالمجتمع المدني يشير إلى منظمات تقوم على فكرة المؤسسية وعلى العمل الجماعي المنظم.
- التطوع والإرادة الحرة للمشاركة في الشأن العام دون توقع أجر أو عائد نظير هذه المشاركة.
- الاستقلال عن الدولة ومؤسساتها الرسمية، وهو استقلال نسبي وليس كاملاً، بمعنى أنه استقلال يسمح بالتعاون والتنسيق والتكامل من أجل تحقيق المصلحة العامة للمجتمع والدولة معاً.
- علاقات ثقة وتضامن، ونوع من التسامح والحوار وقبول الآخر، والسلوك المتمدين والراقي، بما يوفر في النهاية الفاعلية في الأداء للمجتمع المدني بمنظماته المختلفة.
وهذه الشروط ذاتها تعد متطلبات أساسية لتحقيق التنمية السياسية والبشرية، فالتنظيم وثقافة بناء المؤسسات والتطوع ونشر ثقافة المبادرة الذاتية وتمكين أبناء المجتمع والتأكيد على إرادة المواطنين ومشاركتهم في الشأن العام، والتنسيق وتقسيم العمل بين الدولة والمجتمع في إطار من التعاون والاستقلال ،والثقة بين أبناء المجتمع، كلها غايات وأهداف لأي إستراتيجية للتنمية السياسية والبشرية.
بالنسبة للأدوار التي يقوم بها المجتمع المدني، فإنها تعتمد في مجملها على حضور هذا المجتمع بمنظماته وتكويناته، جنبا إلى جنب مع الحكومة ومؤسسات وأجهزة الدولة، لطرح الخطط والاستراتيجيات، وتنفيذ السياسات والبرامج في كافة المجالات السياسية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية، وهكذا فان تضافر جهود الدولة والمجتمع المدني، والعمل معاً في إطار من التعاون والتنسيق، من شأنه أن يحقق مستويات أعلى من النمو والتحول في اتجاه النهضة الشاملة.
ويتوقع أن تعزز المستويات الأعلى للتنمية والديمقراطية وحقوق الإنسان جهود المجتمع المدني ، كما إن نجاح وفاعلية منظمات المجتمع المدني من شأنها دعم التنمية والديمقراطية وحقوق الإنسان، ومن شأن هذه العلاقة المتبادلة تحقيق المزيد من الرخاء والقوة للنظام السياسي وللدولة بمؤسساتها وأجهزتها المختلفة.
شهدت مملكة البحرين منذ تدشين جلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة عاهل البلاد المفدى للمشروع الإصلاحي ازدهارا واضحا لمؤسسات المجتمع المدني، حيث تزايدت أعدادها وتنوعت أنشطتها، كما تطورت في مستوى الأداء و الفاعلية. لقد أتاح المشروع الإصلاحي المجال أمام مؤسسات المجتمع المدني للعمل المكثف، كما أكد لها الشرعية في إعلان برامجها و توجهاتها، والمشاركة في الشأن العام، الأمر الذي عزز من وجودها و فاعليتها في مختلف المجالات الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و في ميادين تتعلق بالقضايا الحقوقية كتلك التي تتعلق بالمرأة و الطفولة و الأسرة و حقوق الإنسان.
لقد أكد البند خامساً من الفصل الأول من ميثاق العمل الوطني على حرص الدولة على أن تكفل حرية تكوين الجمعيات الأهلية والعلمية والثقافية والمهنية والنقابات على أسس وطنية ولأهداف مشروعة وبوسائل سلمية وفقاً للشروط والأوضاع التي يبينهما القانون، و عدم إجبار أحد على الانضمام إلى جمعية أو نقابة أو الاستمرار فيها.
كما نصت المادة 27 من الدستور على " حرية تكوين الجمعيات والنقابات، على أسس وطنية ولأهداف مشروعة وبوسائل سلمية، مكفولة وفقاً للشروط والأوضاع التي يبينها القانون، بشرط عدم المساس بأسس الدين والنظام العام. ولا يجوز إجبار أحد على الانضمام إلى أي جمعية أو نقابة أو الاستمرار فيها ".
و تعزيزا لدور مؤسسات المجتمع المدني فقد صدر المرسوم بقانون رقم (33) لسنة 2002 بإصدار قانون النقابات العمالية. و تنظيما لعمل المجتمع المدني فقد صدر المرسوم بقانون (44) لسنة 2002م بتعديل بعض أحكام قانون الجمعيات والأندية الاجتماعية والثقافية والهيئات الخاصة العاملة في ميدان الشباب والرياضة والمؤسسات الخاصة الصادر بالمرسوم بقانون رقم ( 21) لسنة 1989، حيث يجوز للجمعيات إن تنشى فيما بينها اتحادات نوعيه يكون لكل منها الشخصية الاعتبارية، ويتكون الاتحاد النوعي من الجمعيات التي تباشر نشاطا مشتركا في مجال معين على مستوى المملكة بقصد تنظيم وتنسيق هذا النشاط فيما بينها. كما أجاز القانون رقم (42) لسنة 2009 بتعديل بعض أحكام قانون الجمعيات والأندية الاجتماعية والثقافية والهيئات الخاصة العاملة في ميدان الشباب والرياضة والمؤسسات الخاصة الصادر بالمرسوم بقانون رقم ( 21) لسنة 1989 تحويل المؤسسات الخاصة إلى جمعيات بقرار من الوزير المختص بعد استيفاء شروط إجراءات التحول وبما لا يتعارض مع أحكام تأسيس وتسجيل الجمعيات المنصوص عليها في القانون.
ولقد عرفت المادة الثانية من القانون الجمعيات بأنها كل جماعة ذات تنظيم مستمر، وتتألف من عدة أشخاص طبيعيين أو اعتباريين لغرض آخر غير الحصول على ربح مادي، وتستهدف القيام بنشاط اجتماعي أو تعليمي خاص أو ثقافي أو خيري. وتعتبر وفق أحكام المادة الثالثة من ذات القانون كل جمعية تؤسس مخالفة للنظام العام أو الآداب أو لسبب أو غرض غير مشروع أو يكون الغرض منها المساس بسلامة الدولة أو بشكل الحكومة أو نظامها الاجتماعي باطلة. و يحضر أن تتضمن برامج الجمعيات ما يمس أسس العقيدة الإسلامية أو وحدة الشعب أو ما يثير الفرقة أو الطائفية. وفي جميع الأحوال فإن الجمعيات على اختلاف أنواعها تخضع لرقابة الجهة الإدارية المختصة وتتناول هذه الرقابة فحص أعمال الجمعية والتحقق من مطابقتها للقانون.