31 أكتوبر 2010
السلطـة التشريعية ونظام المجلسين
تلعب السلطة التشريعية دوراً مركزياً في البناء المؤسسي للدولة الحديثة في القرن الحادي والعشرين، فهذه السلطة أصبحت أولاً رمزاً وآلية التمثيل السياسي للإرادة الشعبية، وثانياً الأداة المعتادة لسن القوانين، فضلاً عن ذلك تقوم بدور لا غنى عنه في المتابعة والمحاسبة

تلعب السلطة التشريعية دوراً مركزياً في البناء المؤسسي للدولة الحديثة في القرن الحادي والعشرين، فهذه السلطة أصبحت أولاً رمزاً وآلية التمثيل السياسي للإرادة الشعبية، وثانياً الأداة المعتادة لسن القوانين، فضلاً عن ذلك تقوم بدور لا غنى عنه في المتابعة والمحاسبة ، وهذا ما يسمى دستوريا بالرقابة البرلمانية.

ينص دستور مملكة البحرين على أن السلطة التشريعية يتولاها جلالة الملك والمجلس الوطني وفقاً للدستور. ويتألف المجلس الوطني من غرفتين هما: الغرفة المعينة وهي مجلس الشورى، والغرفة المنتخبة وهي مجلس النواب.

ويتألف مجلس الشورى من 40 عضواً، يتم تعيينهم بأمر ملكي، لمدة أربع سنوات في هذا المجلس، ويجوز إعادة تعيين من انتهت مدة عضويته. أما مجلس النواب فيتألف من 40 عضواً أيضاً ينتخبون بطريق الانتخاب العام السري المباشر من قبل المواطنين – الهيئة الناخبة في المملكة أي ممن بلغوا عشرين عاماً ميلادياً يوم الانتخاب – ولمدة أربع سنوات. وبهذا فإن مملكة البحرين تعد ضمن الدول التي تأخذ بنظام المجلسين.

لكن لماذا أصبح الأخذ بنظام المجلسين سمة غالبة وقاسماً مشتركاً للنظم الديمقراطية الحديثة؟ وما السر وراء انتشار تلك الظاهرة خلال العقود القليلة الماضية، في كافة أنماط النظم السياسية المعاصرة: سواء كانت برلمانية أو رئاسية أو نظم مختلطة؟ وسواء كانت هذه النظم تنتمي لدول متقدمة في الشمال، أو دولاً آخذه في النمو والتطور تقع في الجنوب، ديمقراطيات مستقرة وعريقة، أو نظم ناشئة تتطلع إلى المزيد من الإصلاح والتحول.

الإجابة عن هذه التساؤلات يمكن صياغتها بسهولة، وتفسيرها، من خلال توضيح ما يمثله نظام المجلسين للسلطة التشريعية من مزايا ومبادئ وأهداف. والمعروف أن الواقع كثيراً ما يشهد أحد المجلسين منتخباً، بينما يتشكل المجلس الآخر إما بالانتخاب أو التعيين أو بكلاهما معاً. ومن شأن أداء سلطة تشريعية فعالة تقوم على نظام المجلسين:

أولاً:   التدقيق في المهام التشريعية التي تقوم بها، وعدم التسرع في الوصول إلى قراراتها.
ثانياً:   تحقيق الاعتبارات الفنية التي توفرها التخصصات والكفاءات جنباً إلى جنب مع الاعتبارات السياسية التي تتيحها الديمقراطية.
ثالثاً:   تحقيق التوازن في الأداء البرلماني سواء فيما يتعلق بوظيفة التشريع أو بالدور الرقابي للمجلسين.
رابعاً:  معالجة قضايا خاصة من خلال ثنائية السلطة التشريعية، وهي قضايا لا يمكن معالجتها من خلال نظام المجلس الواحد.

فالسلطة التشريعية في ظل وجود مجلس واحد تقع كثيراً في إشكالية تبنى تشريعات واتخاذ قرارات على نحو متسرع، وقد تحمل في ذلك تحيزاً لمصالح أو لجماعات أو قطاعات لها تأثيرها المسيطر في بنية المجلس، بمعنى آخر فإن محصلة أعمال المجلس تعكس في التحليل الأخير عادة تصورات واهتمامات أعضائه - المنتخبين عادة – فحسب.

لذلك فإن وجود مجلس آخر، يضم في أغلب الحالات فئات متميزة من المفكرين وأصحاب الخبرات والتخصصات ممن يعتبرون عقل الأمة وضميرها، مثل هذا المجلس يكون أقدر على الأداء التشريعي والرقابي الأكثر كفاءةً وتوازناً، كما قد يضم هذا المجلس بعض عناصر مهنية أو عرقية أو ثقافية مما يحقق التمثيل السياسي والاجتماعي المتوازن.

والتوازن الذي تحققه ثنائية السلطة التشريعية يوفر فرص أكبر للمناقشات والدراسات المتعمقة للقوانين والتشريعات، وأيضاً لآليات الرقابة البرلمانية عند استخدامها، ومن ثم يحقق المجلسان التشريعيان ما يتطلبه الأداء التشريعي والأداء الرقابي للسلطة التشريعية من توزان وتعاون.

يضاف إلى ذلك أن التشكيل الثنائي للسلطة التشريعية يوفر إمكانية حقيقية لمعالجة قضايا خاصة، كأن يضم أحد المجلسين عناصر قانونية أو قضائية استثنائية – كمجلس اللوردات في السلطة التشريعية في بريطانيا والذي يلعب دور المحكمة العليا فيها – أو أن يقوم أحد المجلسين على أساس التمثيل السياسي المتساوي للولايات أو للوحدات المكونة للإتحاد، كمجلس الشيوخ الأمريكي مقابل ما تحظى به الولايات الأكثر سكاناً من تمثيل بعدد أكبر من النواب في مجلس النواب، وبذلك يصبح نظام المجلسين صمام أمان للتمثيل السياسي العادل المتكافئ في النظام السياسي، وبما يكفل إبراز عناصر نوعية خاصة قد لا يتسنى لها التمثيل في المجلس الواحد.

هكذا فإن نظام المجلسين يجعل القوانين والتشريعات أكثر استقراراً وتوازناُ، وأقرب إلى المصلحة العامة، مما لو كانت صادرة عن سلطة تشريعية من مجلس واحد.

في مملكة البحرين ينص ميثاق العمل الوطني في خاتمته، وتحت عنوان استشرافات المستقبل – البند ثانياً- على استحداث سلطة تشريعية قائمة على نظام المجلسين، أحدهما منتخب وهو المجلس النيابي والآخر معين يضم أصحاب الخبرة والاختصاص للاستعانة بآرائهم فيما تتطلبه الشورى من علم وتجربة وهو مجلس الشورى.

ولتحقيق هذا التشكيل الثنائي المتوازن للسلطة التشريعية، أسوة بالديمقراطيات العريقة، وبما يعزز حق الشعب في المشاركة وممارسة حقوقه السياسية والدستورية جاءت نصوص الدستور البحريني – كما في المواد 51 وحتى 106 لتنظم تلك السلطة بمجلسيها وبما يضمن توزيع المسئوليات التشريعية، وضمان حسن سير العمل البرلماني، ومنع الخطأ أو التسرع في التشريع.

ويتطور أداء السلطة التشريعية في ظل وجود المجلسين من خلال تطور المشروع الإصلاحي لجلالة الملك المفدى، وعملية النهضة والبناء التي تشهدها المملكة في كافة الميادين والمجالات، ومن خلال توفير المناخ الديمقراطي الذي يكفل توسيع المشاركة السياسية، والحريات والحقوق ومع استمرار التفاعلات السياسية وعلاقات المجلسين ببعضهما، وعلاقتهما بالأجهزة والسلطات الأخرى. ويعزز نظام المجلسين بدوره الممارسة الديمقراطية، ويدفعها إلى الأمام، وفق ما تؤكده تجارب الديمقراطيات المستقرة في العالم، كما يرسخ هذا النظام المفاهيم والأسس التي تقوم عليها دولة القانون والمؤسسات.

روابط ذات صلة