تناولنا في الأسبوع الماضي مفهوم جريمة الرشوة الانتخابية والشروط المفترض توافرها في صفة مقترفها. و سنتناول اليوم الأركان الواجب توافرها في جريمة الرشوة الانتخابية على النحو الآتي:
أركان جريمة الرشوة الانتخابية
أولا: الركن المادي:
الفعل المادي لجريمة الرشوة الانتخابية التي يرتكبها المرتشي ينحصر في ثلاث صور هي الطلب أو القبول أو الأخذ. وينحصر السلوك المادي لجريمة الراشي في عرض الرشوة وصورها ثلاث أيضاً هي الإعطاء أو العرض أو الوعد بالفائدة. وترد جميع هذه الصور على محل واحد وهو الفائدة التي هي موضوع جريمة الرشوة. وفيما يلي نتعرض بإيجاز لتلك الصور المنوطة بالتجريم:
أ) الطـــلب
الطلب هو إفصاح عن رغبة أو تعبير عن إرادة وينطوي على حث الراشي لتقديم الرشوة أو الوعد بها، وإن كان هذا الطلب عملاً مبدئياً في فعل الرشوة، إلا أنه كاف لتتم به الجريمة. وقد استقرت وتواترت أحكام محكمة النقض المصرية على أن جريمة الرشوة الوظيفية تتم بمجرد الطلب من جانب الموظف العام، وهو ما يصلح القياس عليه في جريمة الرشوة الانتخابية. ومن ثم يجدر القول بأن الرشوة الانتخابية تتحقق بمجرد طلب الناخب للفائدة.
ب) القبول
يختلف القبول عن الطلب في أنه يفترض سلوكاً من جانب الراشي سواء كان في صورة إعطاء للرشوة أو عرضاً أو وعداً بها. وهي الصورة التي نص عليها الشارع المصري والفرنسي في الفقرة المخصصة لتجريم فعل الراشي في جريمة الرشوة الانتخابية. ويتطلب تحقق تلك الصورة تلاقي إرادة الراشي وإرادة المرتشي.
ﺠ) الأخــذ
ويتحقق بتسلم الناخب العطية أو الفائدة موضع الرشوة. ويفترض الأخذ أيضاً تصرفاً سابقاً من جانب الراشي متمثلاً في الإعطاء أو العرض الحقيقي للفائدة موضوع الرشوة. فبتسلم تلك الفائدة يتلاقى نشاط الراشي والمرتشي ويتحقق بذلك التنفيذ الفعلي للجريمة ويطلق على هذا الفعل (الرشوة المعجلة).
د) عرض الرشوة
كما سبق وأن ذكرنا فإن هذا السلوك يؤتيه الراشي ويقصد به تقديم الرشوة للناخب. وقد ينصب على عطية أو وعد بعطية أو فائدة. ولتحقيق تلك الصورة يجب أن يبذل الجاني سلوكاً إيجابيا فعالاً ينطوي على عرض الرشوة. فلا يكفي مجرد اتجاه النية إلى ذلك. ولا يقدح في اكتمال الجريمة ألا يكون المرتشي جاداً في قبول الرشوة متى كان الراشي قد عرضها عرضاً جدياً في ظاهره، وكان الغرض منها العبث بمجريات ومقتضيات العملية الانتخابية على النحو آنف البيان.
ﻫ) صور الفائدة أو العطية موضوع الرشوة الانتخابية
يتعين في العطية أو العرض أو الوعد بها من قبل المرشح وفي القبول أو الطلب أو الأخذ من قبل الناخب (وهي صور النشاط المادي في جريمة الرشوة الانتخابية) أن يرد هذا السلوك على مال أو هدية أو أية منفعة أخرى. ولا يقتصر مدلول المنفعة على المعنى المادي فحسب، بل يتناول أيضاً الأشياء غير المادية كحصول الناخب على وظيفة أو ترقيه، أو يقدم المرشح مسكناً لناخب دون مقابل أو في صورة أخرى رمزية. ولا يشترط لتحقيق جريمة الرشوة الانتخابية أن تكون الفائدة ذاتها مشروعة ولكن قد تأتى في صورة غير مشروعة كالمواد المخدرة أو الأشياء المتحصلة من سرقة أو لقاء جنسي يهيأ للناخب المرتشي.
ثانيا: الركن المعنوي أو القصد الجنائي في جريمة الرشوة الانتخابية
جريمة الرشوة الانتخابية مثل جريمة الرشوة الوظيفية يتعين أن يتوافر فيها القصد الجنائي. وبناء عليه فإنه يكفي لوقوع جريمة الرشوة الانتخابية توافر القصد العام من علم وإرادة، ولا يلزم توافر قصد جنائي من نوع خاص تتجه فيه إرادة الناخب المرتشي إلى تحقيق نتيجة معينة. ذلك لأن الرشوة من جرائم الخطر أي أنها من جرائم النشاط ومعنى هذا أنه يكفي أن يطلب الناخب فائدة مقابل القيام بالتصويت أو الامتناع عن التصويت لمصلحة مرشح معين، أو أن يقوم شخص ما مرشحاً كان أو وكيلاً عنه بإعطاء أو بعرض أو بالتعهد بإعطاء ناخب فائدة لنفسه أو لغيره ليحمله على التصويت على وجه معين أو الامتناع عن التصويت، ومن ثم فلا يلزم لوقوع تلك الجريمة تحقق نتيجة معينة.
وفي كل الأحوال يتعين ضرورة التعاصر بين القصد الجنائي والنشاط المؤثم في جريمة الرشوة الانتخابية. فمن المتعين لوقوع جريمة الرشوة أن يكون القصد الجنائي معاصراً للنشاط أي معاصراً للطلب أو القبول الصادر من الناخب. فإذا أخذ الناخب هدية معتقداً أنها على سبيل المجاملة ثم ظهر أن لصاحبها غرضاً آخر من تقديمها وهو حمله للتصويت على وجه معين أو الامتناع عن التصويت، فإن جريمة الرشوة الانتخابية لا تقوم لما شابها من انتفاء القصد الجنائي لدى الناخب.
وأخيراً، نجد أن أغلب التشريعات قد عاقبت على جريمة الرشوة الانتخابية، وشددت على تحديد سقف مالي محدد للحملة الانتخابية مع ضرورة إبراز المرشح لكشف مالي حول إيرادات ومصروفات الحملة الانتخابية، حمايةً وصوناً للعملية الانتخابية من أية خروقات قد تشوبها أو تؤثر في إرادة الناخبين، ولتقويض سطوة المال على مقدرات المعارك الانتخابية. فالنائب الذي تكون الرشوة أحد عوامل فوزه في الانتخابات، يعرف حقيقة وضعه والمتمثل في عملية شراء المقعد النيابي بشراء الضمائر، فلماذا يبذل جهده للقيام بمهام العضوية وخدمة الوطن والمواطن؟ بل يتحول تفكيره وجهده إلى كيفية تعويض المال الذي خسره من أجل الوصول إلى المجلس، والاستفادة من الصلاحيات والحصانة الممنوحة له لأجل بلوغ هدفه. والخاسر الأول والأخير هنا هو الوطن والمواطن، لأن سيطرة المال على مقدرات العملية الانتخابية هي آفة بالغة الخطورة والجسامة على سلامة التمثيل النيابي للأمة وعلى مصداقية تعبير أفرادها عن إرادتهم.
يمكنك الإطلاع على أنشطة معهد البحرين للتنمية السياسية بزيارة الصفحة الخاصة على موقع "الفيس بوك"