23 مايو 2010
الديمقراطية 2
شهد التاريخ السياسي طرق متعددة للتعامل مع الديمقراطية، تراوحت مابين ممارسات صحيحة وأخرى خاطئة. إن نضال البشرية لاتخاذ الديمقراطية أسلوبا ونهجا لبناء حياتها ومجتمعاتها، يعد ضرورة لجميع شعوب الأرض من أجل

شهد التاريخ السياسي طرق متعددة للتعامل مع الديمقراطية، تراوحت مابين ممارسات صحيحة وأخرى خاطئة.

إن نضال البشرية لاتخاذ الديمقراطية أسلوبا ونهجا لبناء حياتها ومجتمعاتها، يعد ضرورة لجميع شعوب الأرض من أجل توفير الحياة الكريمة من جهة؛ ومن جهة أخرى فإن متطلبات الحاجة لوجود دولة القانون والمؤسسات مرهون هو الآخر بوجود الديمقراطية كطريق لتحقيق الاستقرار والتطور للدول.

والسؤال الذي يطرح نفسه في هذا المجال هو: هل أن المعرفة بمصطلح الديمقراطية وطرق وأساليب تطويرها داخل المجتمعات كافيا لتحقيق المجتمع الديمقراطي الذي نتطلع إليه في عالمنا المعاصر؟

ولغرض الإجابة على هذا السؤال لا بد لنا من أن نسلط الضوء على طبيعة الإجراءات والممارسات التي تلعب دورا مهما في عملية البناء الديمقراطي والتي تساعدنا على التخلص من بعض العادات والتقاليد التي لم تعد صالحة للزمن المعاصر و القائمة على أساس غير تربوي، ويأتي في مقدمة هذه الإجراءات التي نحن بصدد الحديث عنها؛ التحول في ثقافة المجتمع من الثقافة الأحادية الجانب القائمة على أساس الإذعان والآني إلى الثقافة الاجتماعية التي تقوم على أساس التحرر من الآني والابتعاد عن سياسة الإذعان على ثقافة المصلحة العامة التي تجعل من الفرد جزءا من المجتمع ككل، وأن يكون هو في خدمة المجتمع وليس العكس، إن هذا التحول ليس من السهل أن يتحقق إذا لم نبدأ بالعمل على تحقيقه وفقا لخطوات مدروسة تبدأ بالحلقات الإنسانية والاجتماعية التي تساهم في تطور الأنماط الإنسانية تدعم هذا التحول؛ حيث الأسرة والمدرسة والشارع والمجتمع بكل حلقاته الأخرى الأكاديمية والمهنية وما يقع على عاتق مؤسسات وهيئات الدولة والفعاليات السياسية والاجتماعية التي لها دور في المجتمع، لأن عملية البناء وبالذات بناء الإنسان هي من أصعب ما يكون نظرا لطبيعة التكوين التي يتصف بها كل منا داخل مجتمعه، فإن لرب الأسرة دورا في زرع مفاهيم التربية الديمقراطية داخل أسرته من خلال علاقته مع أبنائه بالابتعاد عن الممارسات التسلطية والاستعاضة بالحوار والتفاهم وتقبل الاختلاف في الرأي وترك سياسة فرض الإذعان على الأبناء، ما يساعد على ترسيخ أنماط سلوكية غير سوية في عقول الصغار، وعلى المعلم تقع مسئولية كبيرة في تحرير التلميذ من الخوف في علاقته بمعلميه وإفساح المجال له لكي يعبر عن أفكاره وإن كانت خطأ في بعض الأحيان، وتشجيعه على الابتكار والإبداع، وهذه مسألة مهمة جدا في عملية بناء الإنسان ومساعدته على تكوين قدراته والانطلاق بكل ثقة نحو المستقبل، ولأن تربية الطفل هي عملية مستمرة تبقى ملازمة له حتى في المراحل المتقدمة في عمره، وفي هذا المجال يقول الفيلسوف الفرنسي جان جاك روسو: «إن تربية الطفل تبدأ منذ مولده وتستمر حتى الشيخوخة».

ومثل ما هو حال التربية والتنشئة الديمقراطية داخل الأسرة والمدرسة، فإن هذا الواقع ينسحب على دور الشارع والعلاقات الاجتماعية القائمة بين الأفراد وما تتركه من أثر إيجابي أو سلبي على سلوك الأفراد حينما يتواجدون فيه، فالشارع والمجتمع هو الحلقة الأكبر التي تترك أثرا كبيرا على تربية الأفراد فمنها يتعلم الفرد السلوكيات والأفعال بكل أبعادها التي تساهم في تكوينه كعنصر من عناصر المجتمع وتترك أثرا مستقبليا على بنائه الفكري والأخلاقي.

فالنظام واحترام القوانين ومراعاة مشاعر الآخرين واحترامهم والالتزام بقواعد السلوك العام داخل المجتمع؛ كلها تفرض على الحلقات الاجتماعية المختلفة لأن تأخذ دورها في تنمية وصيرورة عقلية الفرد حينما يكون جزءا من الجماعة، كما أن لطبيعة عمل الفرد في بيئة وظيفية معينة تؤثر سلبا أو إيجابا في بنائه الفكري الذي يدفعه في كثير من الأحيان إلى اعتناق أفكار ونظريات قد يكون لها دور مهم على السلوك العام للفرد وبالتالي تنسحب على كل مواقفه تجاه الكثير من القضايا المطروحة داخل المجتمع الذي يوجد فيه.

إن الخلاصة التي نستطيع أن نخرج بها من كل ما قدمناه في هذا العرض المبسط لفكرة الديمقراطية هو أن الديمقراطية بناء تربوي وأخلاقي ومن دون هذا البناء السليم للفرد فإن كل القوانين والإجراءات لوحدها لا تكفي لبناء مجتمع ديمقراطي.

روابط ذات صلة