تحظى دراسة الحرية والمساواة باهتمام بالغ من باحثي العلوم السياسية ، حيث تشكل – جنبا إلى جنب مع العدالة - أهم القيم العليا، والأهداف أو الغايات النهائية للتنمية السياسية.
الحرية ليست مجرد قيمة أخلاقية، إنها طريقة للحياة، تكفل الظروف الملائمة لتعزيز وتطوير قدرات الإنسان، وتسترشد بمبدأ عام يتيح لكل فرد أن يتصرف كما يشاء، في حدود الضوابط القانونية. والحرية لا تعني إلغاء القوانين، وإنما العمل على احترام القواعد والأسس والاعتبارات التي تكفل المسئولية إزاء الآخر، تلك الأسس والاعتبارات التي تناولتها النصوص القانونية والدستورية والأخلاقيات والأعراف.
أما المساواة فإنها تفترض تكافؤ الفرص بين المواطنين من جهة، وسيادة القانون من جهة أخرى، بالإضافة إلى افتراضها حداَ أدنى من العدالة و توفير الحقوق الاقتصادية والاجتماعية الأساسية.
يقدم الفكر السياسي العديد من النظريات والتصنيفات للحريات في المجتمع البشري. حيث تشير إحدى التصنيفات إلى أربعة مجموعات للحريات هي الحريات الشخصية البدنية، كحق الحياة والأمن والتحرك ذهاباً وإيابا والحريات الفكرية كحرية الرأي والعقيدة والتعليم، والحريات الجماعية كحرية الاجتماع والاشتراك في الجمعيات ، والحريات الاقتصادية والاجتماعية كالحق في العمل والملكية وحرية التجارة.
ووفق منظور التطور تفضل بعض النظريات التمييز بين ثلاث أجيال للحريات في المجتمع البشري:
- الجيل الأول من الحريات والتي تتحقق طالما لم يتم الاعتداء عليها من أية جهة، سواء كانت تلك الجهة جماعة أو فرد أو سلطة، وأهم تلك الحريات حرية الرأي والتعبير والحق في الحياة والأمن.
- الجيل الثاني من الحريات والذي تطور مع تطور المجتمعات الصناعية – حيث ظهرت تجمعات من العمال و السكان مطالبين بظروف معيشية وخدمات وحد أدنى من العدالة الاجتماعية – و هنا اتسعت الحريات والحقوق لتشمل الحقوق الاقتصادية والاجتماعية كحق العمل والحق في الغذاء والتعليم والصحة والمسكن ، وضرورة قيام الدولة بدور ايجابي لتحقيق هذه الحريات.
- الجيل الثالث وقد اقترن باتساع حقوق الإنسان عبر العالم، ودور المجتمع الدولي، والأمم المتحدة، على مستوى الإنسانية كلها، كالحق في التنمية، والحق في بيئة نظيفة، والحق في السلام.
وفى مملكة البحرين تضمن المشروع الإصلاحي لصاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة عاهل البلاد المفدى، والذي شمل ميثاق العمل الوطني ودستور مملكة البحرين ما يغطي تفصيلا الحريات الأساسية وفق التصنيفات المختلفة، بما فيها حريات الجيل الثالث. حيث تضمن الفصل الأول من ميثاق العمل الوطني المقومات الأساسية التي لا يجوز لأي من السلطات العامة أو المواطنين الخروج عليها أو تجاوزها و ذلك حرصاَ على صالح المجتمع و الدولة ، فالحريات الشخصية مكفولة وفقاَ للقانون، وعلى اعتبار المساواة بين المواطنين والعدالة وتكافؤ الفرص دعامات أساسية للمجتمع البحريني، وعلى حرمة المساكن، وحرية التعبير والرأي والعقيدة، وحرية تكوين الجمعيات الأهلية و العلمية و الثقافية و المهنية و النقابات على أسس وطنية وفقاَ للشروط و الأوضاع التي يبينها القانون ، وعلى حق العمل والتعليم.
كما تضمن الفصل الثالث من ميثاق العمل الوطني مبادئ الحرية الاقتصادية وحق التملك، ونص على أن الملكية الخاصة مصونة، ولكل شخص حرية التصرف في ممتلكاته في حدود القانون، وعلى الاستغلال الأمثل من جانب الدولة للموارد الطبيعية من خلال التنمية غير الضارة للبيئة، ووضع إستراتجية وطنية لحماية البيئة والحد من التلوث من مصادره المختلفة.
لقد نصت المادة 18 والمادة 19 من دستور مملكة البحرين على أن الناس سواسية في الكرامة الإنسانية، ويتساوى المواطنون لدى القانون في الحقوق والواجبات العامة ، فلا تمييز بينهم في ذلك بسبب الجنس أو الأصل أو اللغة أو الدين أو العقيدة، وأن الحرية الشخصية مكفولة وفقا للقانون.
لقد بينت المادة 22 أن حرية الضمير مطلقه و إن الدولة تكفل حرية القيام بالشعائر الدينية وحرمة دور العبادة، كما نصت المادة 23 على حرية الرأي و البحث العلمي وحق كل إنسان في التعبير عن رأيه ونشره بالقول أو الكتابة أو غيرهما وفقاَ للشروط و الأوضاع التي يبينها القانون. ونصت المواد من 24 إلى 31 على حرية الصحافة وحرية المراسلات وحرية تكوين الجمعيات والنقابات، وحق الاجتماع الخاص.
مما تقدم يمكننا القول أن ميثاق العمل الوطني ودستور مملكة البحرين قد تضمنا الأسس الراسخة التي تكفل تحقيق الحرية الشخصية والمساواة للمواطن البحريني، في مختلف المجالات والمستويات، الأمر الذي ييسر عملية النهضة والتطور في مناخ عام تسوده القيم العليا للتنمية السياسية: قيم الحرية والمساواة والعدالة.