أصبحت الديمقراطية سمة مميزة للمجتمعات الحرة والدول المتقدمة. وباتت التعددية الحزبية بأشكالها واتجاهاتها المختلفة تمثل التطبيق الفعلي للديمقراطية الحقيقية. وصارت الجمعيات السياسية تعمل وتجتهد من أجل المشاركة الحقيقية في الحياة السياسية لتلك المجتمعات، ما حدا بتلك الكيانات السياسية لتتنافس فيما بينها لضم أكبر عدد من المواطنين لعضويتها، وحصولها على أكبر عدد من المقاعد في البرلمان. ومن أجل ذلك تعمل على تقديم كل ما يجذب المواطن ويشجعه على انضمامه للحزب أو التصويت لمرشح الحزب أو الجمعية الذي يرى فيه الكفاءة والأمل والقدرة على تحقيق آماله وطموحاته.
وفي هذا الصدد تبذل قيادات وكوادر الجمعيات السياسية قصارى جهدها لتقديم الأفكار والخطط والسياسات التي تحقق هذا الهدف وتتفق مع احتياجات المواطن. فنجد الجمعيات السياسية تعمل على تقديم برامج وخطط تتوافر لها مقومات النجاح من خلال رؤى واضحة وخطط فعلية وحلول للمشاكل، واقتراحات للقوانين التي تحقق العدالة الاجتماعية، والمساواة، والممارسة الديمقراطية الحرة، والحفاظ على الحريات العامة، والوصول بمستوى معيشة الأفراد لأعلى المستويات، وتحقيق الرفاهية, وبرامج تضع التعليم والسكن والرعاية الصحية للمواطن على قمة الأولويات.
لذلك فان البرنامج الانتخابي هو الأساس الذي تقوم عليه الحملة والدعاية الانتخابية، شريطة أن يتضمن تعهدات والتزامات المرشح، ومعرفة الواقع واحتياجات المواطنين وأولوياتهم، وأن يقدم برنامج عمل وخطة تنفيذية، وأن يكون له إطار زمني.
وبالنظر إلى عدد المترشحين للانتخابات النيابية والبلدية للعام 2010 في مملكة البحرين، نجده وصل إلى ما يقارب 147 للمجلس النيابي وللمجلس البلدي 184 مرشحاً من النساء والرجال. وهذه نسبة جيدة تدل على الحماس والاندفاعية لدى مختلف فئات الشعب البحريني للمشاركة في الممارسة الديمقراطية وعملية البناء والتنمية من خلال المؤسسات الدستورية المتمثلة في المجالس المنتخبة. إن جميع هؤلاء المترشحين سواء كانوا مستقلين أو منتمين إلى جمعيات سياسية، وضعوا لهم برنامجاً انتخابياً، وأن القدرة على وضع برنامج انتخابي قوي، دليل واضح على قوة المرشح وقدرته على المنافسة. ومن الأهمية بمكان أن يشتمل البرنامج الانتخابي على أبرز مقومات البرنامج الانتخابي الناجح، القادر على المنافسة، لان إعداد البرنامج هو جزء من إدارة الحملة الانتخابية، وهو العنصر الأساس، وأن إعداد البرنامج يجب أن يكون معبراً عن احتياجات الناس وطموحاتهم، ويجب أن لا يخاطب شريحة محدودة من الناس. إنما يخاطب مجموع الناخبين البحرينيين. فإذا كان المرشح سيترشح في دائرة معينة لابد أن يخاطب برنامجه الانتخابي مشاكل هذه الدائرة على وجه التحديد، والمشاكل والتحديات في أي مجتمع بشكل عام كالمشاكل المتعلقة بالإسكان، وبفرص العمل، وبالأجور، والبطالة، والتعليم، والصحة وغير ذلك من هذه المحاور. كما أنه لابد أن ينبني هذا البرنامج على دراسة عميقة للدائرة الانتخابية التي ينوي المرشح أن يترشح فيها. فلا بد أن يدرس منّ هم الناخبون في هذه الدائرة، وتوزيعهم العمري، ونوعية جنسهم من رجال ونساء وشباب، والمستوى الاقتصادي والاجتماعي والتعليم، ومن هم المفاتيح الأساسية في هذه الدائرة، وما هي التنظيمات المؤثرة فيها، لأن معرفته بتفاصيل الحياة الاقتصادية، والاجتماعية والسياسية للدائرة ستمكنه أولاً من معرفة مشاكلها وقضاياها، وهو ما سيساعده في إعداد برنامجه الانتخابي الناجح بشكل واقعي ومدروس، ويمكنه ثانياً من مخاطبة الناخبين بالأسلوب والطريقة التي تجذب اهتماماتهم.
وبلا شك فإنه من الطبيعي أن يكون هناك تشابه بين البرامج الانتخابية لبعض المترشحين، وهذا أمر طبيعي نظراً لطبيعة اختصاصات المجلس المترشح إليه، سواء كان نيابياً أو بلدياً، وتشابه الهموم والمشاكل التي قد يعاني منها المواطن، وتشابه الاحتياجات التي يرغب المجتمع في تحقيقها في المرحلة الحالية. لكن المهم في كل ذلك هو ليس فقط تسطير البرنامج الانتخابي وإعداده من الناحية النظرية، وإنما كيفية تطبيقيه من حيث الواقع ووضع الآلية المناسبة والواقعية لتنفيذه، لأن الوعود التي يقدمها المرشح في برنامجه الانتخابي تكون بمثابة عقد أدبي والتزام معنوي وأخلاقي تجاه الناخبين الذين انتخبوه بناء على الوعود التي قطعها على نفسه. لذلك يجب على المرشح أن يبتعد عن الوعود الخيالية والمستحيلة التنفيذ، والتي يكون الهدف منها التسويق السياسي فقط، وعدم الخلط بين اختصاصات المجلسين النيابي والبلدي، خصوصاً وأننا نعيش في مجتمع واعٍ ومثقف، بل وممحص وناقد ممتاز لا يمكن أن تمر عليه مثل هذه السلوكيات والدعايات الانتخابية الوهمية، ما سوف يعود سلباً على المرشح نفسه في إطار المنافسة الانتخابية.
وختاماً لا بد أن ننظر جميعاً إلى أن المشاركة في العملية الانتخابية هي عملية تعلم وبناء. ويجب أن لا يغفل المرشحون عن دورهم الحضاري. والمهم في تنمية الثقافة الانتخابية والسياسية، ونشر الوعي والثقافة الديمقراطية السليمة لدى جميع شرائح المجتمع، وذلك لتأسيس وترسيخ الكثير من المبادئ والقيم الحضارية السامية في هذا المجال، من خلال تجسيد المنافسة الشريفة، والاختلاف وقبول الآخر، حتى تترسخ هذه الثقافة في المجتمع والابتعاد عن التسقيط والتجريح، والسلوكيات المنافية لقواعد المنافسة الشريفة.
يمكنك الإطلاع على أنشطة معهد البحرين للتنمية السياسية بزيارة الصفحة الخاصة على موقع "الفيس بوك".