24 يوليو 2013
التنشئة الاجتماعية... الطريق نحو بناء دولة التسامح
لقد أصبحت التنشئة الاجتماعية السليمةمن أكثر الأدوات فعالية في التصدي لأوبئة العنف والتطرف والتعصب ومظاهرها المتفشية بصورة أو بأخرى في مجتمعاتنا المعاصرة عامة باختلاف أيديولوجياتها الفكرية ومعتقداتها الدينية ومستوى نموها الاقتصادي، وأصبحت بأشكالها المتنوعة معنية بترسيخ التعاليم الدينية السمحة وغرس قيم الديمقراطية السليمة ومبادئ وقيم حقوق الإنسان في شتى مناحي الحياة الإنسانية، وهي أيضا تعد حجر الأساس من أجل بناء ثقافة السلام وتأصيل مبادئ التسامح واحترام رأي الآخر ونبذ العنف لتضمن للمجتمع أسس الانطلاق والتقدم الحضاري والإنساني الصحيحة.
لقد أصبحت التنشئة الاجتماعية السليمةمن أكثر الأدوات فعالية في التصدي لأوبئة العنف والتطرف والتعصب ومظاهرها المتفشية بصورة أو بأخرى في مجتمعاتنا المعاصرة عامة باختلاف أيديولوجياتها الفكرية ومعتقداتها الدينية ومستوى نموها الاقتصادي، وأصبحت بأشكالها المتنوعة معنية بترسيخ التعاليم الدينية السمحة وغرس قيم الديمقراطية السليمة ومبادئ وقيم حقوق الإنسان في شتى مناحي الحياة الإنسانية، وهي أيضا تعد حجر الأساس من أجل بناء ثقافة السلام وتأصيل مبادئ التسامح واحترام رأي الآخر ونبذ العنف لتضمن للمجتمع أسس الانطلاق والتقدم الحضاري والإنساني الصحيحة.
وقد تعددت تعريفات مفهوم التنشئة الاجتماعية، حيث يرى علماء الاجتماع أنها عملية يتم فيها التواصل الاجتماعي والثقافي بين ابناء المجتمع الواحد . في حين يتناول علماء النفس موضوع التنشئة الاجتماعية من زاوية مغايرة تركز على الجوانب النفسية والاستعدادات الأساسية للتعلم عند الأطفال والناشئة تحديداً، فتُمكنهم من هذا المنطلق من استيعاب القيم والمعايير الثقافية السائدة في المجتمع، بينما يعرف التربيون مفهوم التنشئة الاجتماعية بأنها عملية تهيئة الأجيال الجديدة للقيام بالوظائف والأدوار الأساسية في الحياة الاجتماعية.
وإجمالاً يمكن القول بأن القاسم المشترك بين جميع الاجتهادات السالفة الذكر تتمحور حول فكرة أن التنشئة الاجتماعية هي عملية مستمرة ومتغيرة يعتمدها المجتمع في نقل ونشر القيم والمفاهيم والعادات والأعراف والأيديولوجيات إلى أفراده، حيث يكتسبها الفرد في جميع مراحل نموه من خلال اكتسابه للمهارات والسلوكيات الضرورية التي من شأنها أن تعينه على الاندماج في الحياة الاجتماعية العامة. أي أن التنشئة الاجتماعية هي الوسيلة التي من خلالها تتحقق الاستمرارية الثقافية والاجتماعية.
وبطبيعة الحال، تلعب مختلف المؤسسات الاجتماعية دوراً جوهرياً في عملية التنشئة الاجتماعية، وتأتي المؤسسات التربوية التعليمية على رأس هذه المؤسسات، لما لها من تأثير بالغ على تشكيل توجهات الفرد ونظرته الكلية للحياة الإنسانية. ونظراً لهذه المسئولية الكبيرة التي تقع على عاتقها، اتجهت أعداداً لا حصر لها من المبادرات التنموية الدولية والمحلية الساعية إلى إحياء ثقافة السلام والتسامح العالمية لاستغلال المؤسسات التعليمية كأداة رئيسة لنشر وتأصيل قيم الديمقراطية وخصوصاً التسامح السياسي واحترام الرأي الآخر.
ومن أبرز الدراسات الحديثة التي أجريت في هذا المجال دراسة مقارنة قامت بها مؤسسة برتلسمن (Bertelsmann Foundation) الألمانية بالتعاون مع مركز بحوث السياسات التطبيقية -جامعة ميونخ- في جمهورية ألمانيا الفدرالية، حول أهمية التسامح من منظور تعليمي دولي. إذ تناولت الدراسة السياقات الاجتماعية والتاريخية للانقسامات والنزاعات في عشر دول نامية ومتقدمة على مستوى العالم، وما انبثق عنها من مبادرات تنموية تعليمية محلية خلاقة لمعالجتها. ولعل من أكثر هذه التجارب تشويقاً تجربة معهد دراسة النزاعات (The Center for the Study of Conflict)- جامعة أولستر- في أيرلندا الشمالية، وبحوثه في مجال التفاعلات ما بين الهياكل التعليمية والانقسامات المجتمعية النابعة من النزاعات السياسية. وقد سلطت الدراسة الضوء على دور المعهد في إطلاق وتأسيس مبادرة "التعليم من أجل التفاهم المتبادل" (Education for Mutual Understanding-EMU) التي تم تدشينها في عام 1989م ومن ثم تحوليها إلى سياسة مطبقة في العام الدراسي 1990-1991م، من قبل مجلس أيرلندا الشمالية للمناهج الدراسية وتحت إشراف وزارة التربية والتعليم في أيرلندا الشمالية. وتهدف مبادرة EMU إلى "ترسيخ قيم احترام الذات والغير، ومن أجل تطوير العلاقات بين الأفراد المختلفين في التقاليد الثقافية"، من خلال تضمين المواد المدرسية الاعتيادية (من تربية دينية وتاريخ ودراسات أدبية وغيرها من المناهج الدراسية ذات العلاقة) قيم الديمقراطية وحقوق الإنسان، وتدريب الطلبة والطالبات والتربويين على سلوكيات متوافقة مع مبادئ التسامح السياسي والتماسك الاجتماعي والتعايش المشترك والقبول بتعددية الثقافات في مقابل نبذ العنف ومظاهر التطرف الأيديولوجي والتعصب الطائفي والعنصرية ، حتى أصبحت اليوم من أهم المبادرات التعليمية المعنية بتقريب ما بين المجتمعات الكاثوليكية والبروتستانتية المتناحرة في أيرلندا الشمالية، ومثالاً ناجحاً يحتذى به عالمياً في مجالات حل النزاعات وخلق ثقافات حاضنة للسلام وممارساته.
وقياساً على ما سبق، لا بد من الإدراك بأن التربية على مفاهيم الديمقراطية وحقوق الإنسان عموماً والتسامح السياسي تعتمد بداية على الارتقاء بالسلوكيات العفوية وتحويلها إلى جملة من الاختيارات الواعية-الموضوعية-العقلانية، بعيداً عن كل أشكال التبعية العمياء. ومن المفترض أن تسعى التربية الحقّة إلى تعزيز وعي الفرد بحقوقه وواجباته كمواطن، تبعاً لمتطلبات الحياة الإنسانية المعاصرة، في إطار مجتمع مدني قوي يقوم على التلازم الأساسي بين الحرية والمسؤولية الفردية والمجتمعية، ضمن المؤسسات التعليمية أساساً وبدعم ومساندة مؤسسات المجتمع المدني. ولربما كان من الأجدر بالمهتمين بمجال التنشئة الاجتماعية السليمة خلق مفاهيم التسامح السياسي والالتفات إلى مثل هذه التجارب الناجحة والعمل على إحداث طفرة مماثلة في أنماط التفكير السائدة والأنساق التربوية القائمة من اجل تحقيق تطلعات الوطن والمواطن وبناء مجتمع متنوع ومتماسك يسوده التسامح السياسي والاحترام المتبادل وقبول الآخر مهما وصلت درجة الاختلافات البينية.