21 يوليو 2013
الثقافة الغائبة
حين الحديث عن التنوع والتعددية في الحياة الاجتماعية والإنسانية عموما والسياسية خصوصا ، دائماً ما يتم تداول مفهوم “التسامح السياسي”. وهو مفهوم يمتد ليتناول طبيعة العلاقة بين المختلفين والمغايرين دينيا أو قبليا أو عرقيا أو مناطقيا أو حتى نوعيا.... الخ وهو مصطلح يقصد به أن لكل ذات إنسانية ذات إنسانية أخرى، ومن خلال تحديد معنى الذات، يتحدد بطبيعة الحال نوعية الآخر

حين الحديث عن التنوع والتعددية في الحياة الاجتماعية والإنسانية عموما والسياسية خصوصا ، دائماً ما يتم تداول مفهوم “التسامح السياسي”. وهو مفهوم يمتد ليتناول طبيعة العلاقة بين المختلفين والمغايرين دينيا أو قبليا أو عرقيا أو مناطقيا أو حتى نوعيا.... الخ وهو مصطلح يقصد به أن لكل ذات إنسانية ذات إنسانية أخرى، ومن خلال تحديد معنى الذات، يتحدد بطبيعة الحال نوعية الآخر ، وحال العلاقة مع هذا الآخر .. فإذا كان الحديث بعنوان ديني فإن الآخر هو كل من ينتمي إلى دين آخر،وهذا ينطبق على مقولات القومية ( عربي، تركي) والعرقية ( زنوج، عرب) والمناطقية (عرب، أوربيون) والنوعية(رجل، امرأة)، فالآخر يتحدد من خلال تحديد معنى الذات اما التسامح السياسي فهو يمتد للاعتراف به في صورته الأولية يعني الاعتراف بوجوده وكينونته الإنسانية وبحقوقه الآدمية بصرف النظر عن مدى القبول أو الاقتناع بأفكاره أو قناعاته العميقة أو الشكلية،فلا يمكن لأي إنسان أن يدعي التسامح مع الآخر على المستوى الديني أو المذهبي أو القومي، وهو يهدده في وجوده وكينونته الإنسانية،فالذي يتسامح مع الآخر لا بد أن يحترم وجوده، وكل متطلبات حياته الإنسانية، لهذا فإن مفهوم “التسامح السياسي”، يناقض بشكل تام، استخدام وسائل الفرض لإقناع الآخر أو دفعه إلى تغيير قناعاته، حيث ينبغي القبول به كما هو، بعيدا عن الخلفيات الأيدلوجية أو القومية أو الدينية. ولكن عندما تستخدم وسائل قهرية للتغيير أو تبديل قناعات الآخر. فهذا يدل على عدم التزام عميق بمفهوم التسامح السياسي. فلا يمكن أن ينسجم هذا المفهوم مع أساليب الفرض والدفع بوسائل مادية لتغيير المواقف الأيدلوجية أوالفكرية وتبديلها. فـ”التسامح السياسي” في صورته الأولية، يعني احترام حياته الإنسانية وكينونته الذاتية ومتطلباتهما.

وقد يحاول البعض في سياق الحديث عن مفهوم “التسامح السياسي” أن يحدد بعض الشروط ،إلا أن عادة ما يعني ذلك أن يتخلى الآخر عن ما هو عليه كشرط للتسامح معه وقبوله . وهذه من المفارقات العميقة، والتي تكشف رفض الكثير من الناس لهذا المفهوم. فليس مطلوباً من أحد أن يتخلى عن قناعاته من أجل أن يقبله الطرف الآخر ويتسامح معه. فللجميع حق رفض قناعات الآخر والتعبير بوسائل سلمية عن هذا الرفض ولكن ليس من حقهم تهوين آو تهويل أو تشويه القناعات والأفكار،كما لا يجوز أن يطلب من الآخر تغيير قناعاته كشرط لقبوله. فـ”التسامح السياسي” لا يلغي الحق في امتلاك وجهة نظر نقدية عن أفكار وقناعات الطرف الآخر. ولكن في ذات الوقت فإن مقتضى مفهوم “التسامح السياسي”هو القبول به كما هو يريد وليس كما يراد له. وهنا يتجسد الفارق العقلي بين قناعات الإنسان وضرورات التسامح مع الآخرين بصرف النظر عن قناعاتهم وأفكارهم.

فـ”التسامح السياسي” ينبغي أن يقود إلى التعايش الذي يضمن حقوق الجميع بدون تعد وافتئات من قبل أي طرف على الأطراف الأخرى، إلا أن ذلك لا ينبغي أبداً أن يترك لأهواء العامة يتحدثون عن قيم “التسامح السياسي” دون أن يمتد ذلك لتطبيق هذه القيم في الحياة المعاصرة. لهذا فإن وجود مبادرات مؤسسية وطنية وقومية لحماية حقيقة التنوع الديني والمذهبي والقومي والنوعي  يعتبر أحد المداخل الأساسية لصيانة وحفظ الأمن الوطني وتعزيز قوته وسد الثغرات التي قد ينفذ منها الخصوم الحقيقيون للوطن والذين يعملون على تحقيق أغراضهم ومصالحهم الخاصة. فـ”التسامح السياسي” لا يحتاج إلى الخطب الرنانة والمواعظ الأخلاقية المجردة، وإنما يحتاج لوقائع ميدانية ومبادرات مؤسسية تستوعب جميع أطياف الوطن وتحمي تنوعه بقانون وإجراءات دستورية. وخيراً فعلت مملكة البحرين في حرصها على ذلك سواء من خلال الدستور وميثاق العمل الوطني أو قوانين مباشرة الحقوق السياسية وغيرها من القوانين الاخري، والتي لم تفرق بين أبناء الوطن الواحد لا عرقيا أو دينيا أو مذهبيا أو حتى نوعيا. ولم يقف الأمر عند ذلك بل تتطرق أيضا إلى بناء المؤسسات التي تكفل حماية هذه المبادئ وتلك القيم مثل المجلس الأعلى للمرأة الضامن لحقوق المرأة في مساواتها بالرجل أو الهيئات الإسلامية التي تحرص على تهيئة الأجواء لإقامة مناخ يساعد على “التسامح السياسي” والاعتراف به. ويحول دون بقاء الفجوات والهواجس المتبادلة بين مكونات التعدد والتنوع على المستوى الوطني. ليس ذلك فحسب بل إن وجود مجتمع مدني قوي وفاعل في المملكة ليؤدي إلى ذات النتيجة باعتبار أن للمجتمع المدني ركن أخلاقي وسلوكي محوري ينطوي على التسامح وقبول التنوع بين الذات والآخرين، وعلى حق الآخرين في أن يكوِّنوا منظمات مجتمع مدني تحقق وتحمي وترتفع عن مصالحهم المادية والمعنوية.. فهي منظمات تلتزم في إدارتها للخلافات داخلها أو في علاقاتها مع الدولة ومنظمات المجتمع المدني الأخرى بالوسائل السلمية المتحضرة، أي بقيم المجتمع المدني وضوابطه المعيارية، وهي قيم الاحترام وقبول الآخر والتعاون والتنافس الشريف، يحويها ويؤطرها مفهوم “التسامح السياسي”.

ومع ذلك فإن مجتمعنا لا يزال يعاني من غياب ثقافة “التسامح السياسي”. وهذا يمثل مسؤولية يجب أن يضطلع بها الجميع من قوى سياسية ومنظمات مجتمعية ومؤسسات ثقافية وحتى علماء دين. إن الاعتراف والإقرار بثقافة التسامح السياسي و”قبول الآخر” والاعتراف به هو أمر جيد ومقبول نظرياً ولكن يجب العمل من أجل ترسيخ قيمة هذه الثقافة وتطبيقها في الحياة اليومية بشكل يعود بالفائدة على الجميع دون استثناء.


روابط ذات صلة