تمر على البحرين هذه الأيام الذكرى السنوية الأولى على صدور تقرير اللجنة المستقلة لتقصي الحقائق، وهي اللجنة التي شكلها حضرة صاحب الجلالة الملك المفدى إثر الأحداث التي شهدتها البلاد خلال شهري فبراير ومارس 2011، إذ أصدر جلالته في 29 يونيو 2011 أمراً ملكياً رقم (28) لسنة 2011 بإنشاء اللجنة.
الأمر الملكي الصادر بتشكيل اللجنة حدد الهدف الذي أُسست من أجله، وهو التحقيق في مجريات الأحداث التي وقعت في مملكة البحرين خلال شهري فبراير ومارس 2011، وما نجم عنها من تداعيات لاحقة، وتقديم تقرير حولها متضمناً ما تراه مناسباً من توصيات في هذا الِشأن.
تم توفير الضمانات الكفيلة باستقلالية اللجنة، حيث تم تشكيلها من قبل شخصيات دولية مرموقة لها خبرات واسعة في مجال حقوق الإنسان والصراعات الدولية برئاسة البروفيسور محمود شريف بسيوني. وأعطيت لها استقلالية تامة، حيث أقر الأمر الملكي الخاص بتشكيلها استقلاليتها التامة عن حكومة مملكة البحرين أو أية حكومة أخرى، بحيث يعمل أعضاؤها بصفتهم الشخصية ولا يمثلون أية حكومة أو منظمة دولية أو مسؤول عام أو أية مصلحة اقتصادية أو سياسية.
أما فيما يتعلق باختصاصاتها ومهامها الأساسية، فإنها تقوم على تقصي الحقائق والاتصال بجميع الجهات الحكومية المعنية والمسؤولين الحكوميين، وكذلك الإطلاع على الملفات والسجلات الحكومية، وللجنة مطلق الحرية في مقابلة أي شخص تراه مفيداً لها، بمن في ذلك ممثلو المجتمع المدني ومنظمات حقوق الإنسان والجمعيات السياسية، والنقابات العمالية، وغيرهم من الأفراد. وألزم الأمر الملكي جميع الجهات الحكومية ذات الصلة وضع نتائج تحقيقاتها المتعلقة بالأحداث الخاصة بعمل اللجنة تحت تصرف اللجنة.
كذلك من الضمانات التي أعطيت لضمان استقلالية اللجنة، أن تتولى اللجنة بذاتها تحديد مسار عملها ودون أي تدخل من قبل الحكومة، وللجنة مقابلة الأفراد وفقاً للإجراءات التي تراها لضمان حماية خصوصيتهم وأمنهم، وطبقاً للمعايير الدولية لحقوق الإنسان.
أيضاً ألزمت الحكومة بعدم التدخل بأي شكل من الأشكال في عمل اللجنة ولا يجوز أن تمنع وصول أي شخص يسعى لإجراء اتصالات معها أو مع أحد من معاونيها، كما يجب على الحكومة تسهيل وصول اللجنة وموظفيها إلى الأماكن والأشخاص التي تحددها وفق ما تراه اللجنة مناسباً.
ومنحت اللجنة الملكية المستقلة لتقصي الحقائق سلطة البت في جميع المسائل المتعلقة بنطاق وأساليب عملها، وبالمقابل تتعهد الحكومة بعدم تعريض أي شخص، أو أي فرد من عائلة ذلك الشخص الذي قام بالاتصال باللجنة أو تعاون معها، لأي نوع من العقاب، أو التأثير عليه سلبياً بأي شكل من الأشكال، أو تعريضه لأية مضايقات أو إحراج من قبل أي مسؤول عام أو ممثل للحكومة. والهدف من هذه الضمانات حفظ سرية كافة الأفراد الذين سيدلون بشهاداتهم وإفاداتهم أمام اللجنة سواءً كانوا من المواطنين أو المقيمين.
كذلك منحت اللجنة ضمانات أخرى للاستقلالية وتأكيد موضوعية عملها، حيث لم يتم ربط أنشطتها بالقوانين الوطنية لمملكة البحرين وإجراءاتها القضائية حتى لو كانت ذات صلة بموضوع التحقيق نفسه الذي تحاول الكشف عنه، وليس لأية جهة إدارية أو قضائية سلطة وقف أو تقييد أو منع أو التأثير على عمل اللجنة ونتائجها.
بالإضافة إلى ذلك تمت مراعاة شفافية عمل اللجنة فيما يتعلق بموازنتها، حيث أعطي رئيس اللجنة المستقلة لتقصي الحقائق صلاحية تحديد الميزانية المطلوبة بما فيها مكافآت العاملين فيها حسب المعايير المعمول بها في الأمم المتحدة، ويتم توفير هذه الموازنة من موازنة الديوان الملكي.
هذه هي صلاحيات واختصاصات اللجنة، التي أعلنت عن تقريرها المهم في نوفمبر من العام الماضي، وقدمت مجموعة من التوصيات تشمل مجالات متعددة، وهي: المسائلة ومعقابة مرتكبي الانتهاكات، ومبادرة التسوية المدنية، وإعادة المفصولين عن العمل، وجهود المصالحة الوطنية، وإعادة بناء دور العبادة، والأجهزة الأمنية، والسلطة القضائية، بالإضافة إلى القطاع التعليمي والإعلام والتعديلات التشريعية.
جلالة الملك أعلن التزامه بتنفيذ كافة التوصيات الواردة في التقرير المستقل الذي قدمته اللجنة، ولذلك أمر فوراً بتشكيل لجنة خاصة لمتابعة تنفيذ التوصيات، حيث قامت هذه اللجنة التي رأسها رئيس مجلس الشورى وضمت عدداً من المسؤولين والبرلمانيين وممثلين عن مؤسسات المجتمع المدني، قامت اللجنة بمتابعة تنفيذ التوصيات بالتعاون مع لجنة حكومية خاصة على مدى عدة شهور.
ونظراً للعدد الكبير من التوصيات التي تعمل مؤسسات الدولة على تنفيذها، قررت الحكومة تشكيل جهاز خاص تابع لوزارة العدل والشؤون الإسلامية والأوقاف لمتابعة تنفيذ التوصيات، بحيث يقوم بأعمال التنسيق مع كافة المؤسسات الحكومية والسلطتين القضائية والتشريعية من أجل ضمان سير عملية التنفيذ.
استطاعت الدولة إنجاز العديد من التوصيات، وبقيت مجموعة من التوصيات قيد التنفيذ نظراً لمتطلباتها المتعلقة بدورة التشريع التي تستغرق فترة زمنية حسب النظام المعمول به في التشريع من خلال البرلمان بغرفتيه النواب والشورى. ويقوم جهاز المتابعة بتقديم تقارير دورية حول درجة الإنجاز في هذه التوصيات إلى أن يتم العمل على إنهائها بشكل كامل.