شهدت حرية التعبير في مملكة البحرين تطوراً كبيراً منذ بداية القرن العشرين، فرغم حداثة الدولة آنذاك، إلا أن تأسيس التعليم النظامي أتاح آفاقاً أوسع نحو زيادة هامش التعبير مع ظهور قضايا كثيرة إثر التطور المتسارع للمجتمع في تلك الفترة.
قد تعد أولى مظاهر حرية التعبير في البحرين السماح بإنشاء الصحف المحلية، ولذلك تأسست الصحافة البحرينية مبكراً مقارنة بالدول الخليجية الأخرى المجاورة، فأول صحيفة محلية ظهرت في أربعينات القرن العشرين. ولكن الظروف التاريخية التي مرّت بها الدولة أدت إلى ظهور تجارب صحافية عديدة متتالية بين النجاح والفشل.
أيضاً حرية التعبير لم تكن منظمة في تلك الفترة رغم السماح بإنشاء مجموعة من الصحف التي أغلقت لأسباب مختلفة، فمثلاً لم تكن هناك قوانين وإجراءات تنظم الصحافة المحلية بما يكفل حرية التعبير للمواطنين والمقيمين.
إلا أن ارتفاع هامش حرية التعبير دفع إلى إصدار أول قانون للصحافة في البحرين في العام 1952 خلال حكم المغفور له بإذنه تعالى الشيخ سلمان بن حمد آل خليفة حاكم البحرين وتوابعها آنذاك. وللعلم فإن معظم قوانين الصحافة والنشر في البحرين صدرت خلال فترة ما قبل استقلال الدولة، وعندما نالت الدولة استقلالها لم تصدر سوى قانونين للصحافة والنشر.
حرية التعبير في البحرين شهدت مرحلة مهمة في العام 1954 عندما صدر قانون آخر جديد للصحافة وأكد حق الصحافة المحلية في نشر محتوياتها الإعلامية المختلفة دون إشراف أي جهة رقابية. وهو ما ساهم سريعاً في انتعاش سوق الصحافة وظهرت العديد من التجارب الإعلامية الرائدة التي باتت اليوم في ذاكرة الإعلام المحلي.
مع نيل البحرين استقلالها في العام 1971 كان التحول الأبرز الذي تشهده حرية التعبير خلال القرن العشرين عندما أنشئ المجلس التأسيسي الذي قام بإعداد الدستور الأول للمملكة، حيث تضمنت بنود الدستور مجموعة من المواد الدستورية التي كفلت حرية التعبير وأكدت حق الجميع في ممارستها، ومسؤولية الدولة في صيانتها واحترامها. وترتب على ذلك أن تضمن القوانين الوطنية المعنية بالصحافة والنشر حق حرية التعبير للجميع سواءً كانت مؤسسات صحافية أو إعلامية أو حتى عموم الأفراد في المجتمع.
هامش حرية التعبير في تلك الفترة ظل مرتبطاً بالظروف السياسية التي مرّت بها الدولة، ومع ذلك ظهرت صحف جديدة منذ نهاية السبعينات. وزاد الدور الذي تمارسه الصحافة المحلية في المجتمع، وقد كان دوراً مهماً لمواجهة كافة التحديات المحلية والإقليمية التي واجهتها البحرين منذ منتصف السبعينات وحتى نهاية تسعينيات القرن العشرين.
عندما تولى عاهل البلاد حضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة مقاليد الحكم في مارس 1999 أكد أهمية رفع هامش حرية التعبير ضمن مشروع إصلاحي شامل يقوم على التحول الديمقراطي في المملكة. وهذه النظرة جاءت إيماناً بمستوى التطور الذي وصل إليه المجتمع المحلي، والحاجة إلى تعزيز حق حرية التعبير المكفول دستورياً.
لذلك أقر ميثاق العمل الوطني مجموعة من النصوص المهمة التي كفلت هذا الحق، حيث جاء فيه: " لكل مواطن حق التعبير عن رأيه بالقول أو بالكتابة أو بأي طريقة أخرى من طرق التعبير عن الرأي أو الإبداع الشخصي، وبمقتضى هذا المبدأ فإن حرية البحث العلمي وحرية النشر والصحافة والطباعة مكفولة في الحدود التي يبينها القانون".
لاحقاً عندما صدّق جلالة الملك على التعديلات الدستورية في منتصف فبراير 2002 تضمنت التعديلات اهتماماً خاصاً بحرية التعبير والنشر، وهو ما تلاه صدور القانون الحالي للصحافة والطباعة والنشر في 30 أكتوبر 2002.
خمسة قوانين تعاقبت على المملكة لتنظيم حرية التعبير والصحافة منذ العام 1952 وحتى الآن، وكانت نتيجتها الحرية التي يتمتع بها المواطن والصحافة اليوم. اللافت في المرحلة الحالية من تطور الصحافة أنه لا توجد قيود تفرض عليها اليوم، وهو ما أتاح المجال أمام نشاط فكري وأدبي وإعلامي واسع النطاق منذ نحو عقد من الزمن.
الضمانة الدستورية لحرية التعبير والنشر لم تساهم فقط في رفع هامش الحرية المتاح اليوم، ولكنها ساهمت في تطوير الممارسات والتجارب المحلية في كيفية ممارسة هذا الحق الدستوري والذي يعد أيضاً حقاً من حقوق الإنسان. ولذلك ارتفع عدد الصحف اليومية في مرحلة ما قبل بدء المشروع الإصلاحي من ثلاث صحف يومية إلى أكثر من سبع صحف يومية بمختلف اللغات.
أيضاً كانت القيادة حريصة دائماً على دعم الصحافة الوطنية إيماناً منها بأهمية الدور الذي تقوم به، وهو ما تمثل في سلسلة من التوجيهات المستمرة بضرورة تعاون كافة المسؤولين والمؤسسات في الدولة مع الصحافة لأنها مرآة تعكس اتجاهات المجتمع المحلي، وتساهم في تشكيل اتجاهات الرأي العام.
حرية التعبير التي تعيشها البحرين تختلف عن أية مرحلة مرّت على الدولة فيما يتعلق بهذا الحق، خاصة وأن حرية التعبير لا تتعلق بالصحافة ووسائل النشر الأخرى وفي مقدمتها النشر الإلكتروني مثلاً، وإنما تشمل كذلك الحق في التجمع والتنظيم كما يتم في تأسيس الجمعيات السياسية والنقابات ومؤسسات المجتمع المدني.