وجًّه حضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة عاهل البلاد كلمة سامية بمناسبة العشر الأواخر من شهر رمضان المبارك، وهذه الكلمة المهمة لها الكثير من الدلالات، ويمكن تحليل مضمونها للتعرف على أبعاد رؤية جلالته للظروف القائمة في البلاد بمختلف المجالات، وكذلك بعض القضايا الإقليمية والدولية.
توقيت الكلمة السامية مهم جداً، فهو يأتي في نهاية شهر رمضان الكريم الذي تزداد فيه الروحانيات، وله من المعاني والقيم الكثير، وتزداد فيه أجواء المحبة والتسامح. وبالتالي جاءت الكلمة الملكية في هذا السياق الذي واكبته في الكثير من محاورها الرئيسة.
كلمة العاهل بدأت بالتركيز على العلاقات الإنسانية التي ينبغي الحفاظ عليها لأنها الأصل مهما اختلفت وتنوعت مكونات المجتمع المحلي دينياً أو إثنياً أو حتى مذهبياً، ولذلك قال جلالة الملك: "الأخوة من النعم التي يجب رعايتها والمحافظة عليها والدفاع عنها وحمايتها من مكر الماكرين ودعاة الفتنة والمغامرين والمقامرين بوحدة الشعب وتماسكه ومكاسبه". وهو ما يؤكد ضرورة الترابط وتقوية العلاقات بين مختلف مكونات المجتمع لأنها الوسيلة الأقوى في الحفاظ على مقدرات الدولة، وحماية منجزاتها ومكتسباتها.
على مستوى سياق التحديات التي تواجهها الدولة، فقد اهتمت الكلمة الملكية ببيان طبيعة الظروف التي تواجهها الدولة حالياً، لأنها ظروف ليست وليدة اليوم، وإنما لها امتداداتها التاريخية الطويلة، فقال جلالته: "مملكة البحرين كانت على مر العصور محط أطماع الطامعين، ولكن شعب البحرين الأبي عرف كيف يتصدى لها بصموده، ووحدة صفوفه، واجتماع كلمته، والتفافه حول ولي أمره، لتتكسر الأطماع".
الكلمة ركزت على ما تمثله البحرين من أهمية إستراتيجية جعلتها بلداً مستهدفاً منذ فترات تاريخية قديمة، ولكن أحداث التاريخ ينبغي استلهامها دائماً، فهي تؤكد أنه رغم محاولات استهداف المجتمع المحلي، فإن حائط الصد الأول للدفاع عن هذه الأرض هو الوحدة الوطنية التي استطاعت أن تواجه التحديات وتتغلب عليها دائماً، وهذه الحقيقة التاريخية أيضاً ترتبط بالأحداث المؤسفة التي شهدتها البلاد العام الماضي.
العاهل أكد استمرار تداعيات الظروف الصعبة التي تواجهها الدولة بسبب الأطماع والمؤامرات الخارجية التي لم تنقطع، وهو ما يؤكد استمراريتها، ولكن العمل والجهود الجماعية كانت سبباً أساسياً لإيقاف كافة المؤامرات والتحديات ضد البحرين. وحرص جلالة الملك على تأكيد دوره الشخصي في مواجهة التحديات عندما قال: البحرين عاشت هذه السنة ظروفاً عصيبة بسبب تلك الأطماع والمؤامرات الخارجية التي لم تنقطع، ووقفنا جميعاً وقفة رجل واحد، في وجه دعاة الفتنة، وواجهناهم بكل حزم وعزم كما يفرضه الواجب الملقى على عاتقنا"، وهي المسؤولية التي يتحملها جلالته للدفاع عن الوطن، وصيانة وحدته وحماية شعبه.
كما حرص جلالته أيضاً على بيان أهمية التحلي بالحكمة والصبر والعقلانية في التعامل مع الظروف، فقال: "في أوج الشدة تمسكنا بالحكمة والصبر والأناة، وفتحنا أبواب الحوار، ودعونا إلى العفو والسماحة".
كذلك مع التركيز على الارتباطات الخارجية لأحداث البحرين، والمؤامرات التي تحاك ضدها، إلا أن الكلمة السامية بيّنت أهمية الاهتمام بالداخل كما هو مبدأ الاهتمام بالخارج، لأن التحديات الخارجية لا يمكن بأي حال من الأحوال مواجهتها إذا كانت هناك تحديات داخلية متفاقمة، ولذلك قال جلالته: "كنا يقظين منتبهين إلى مكر الطامعين من خارج الوطن، ولم نكن في غفلة عن مشاكلنا الداخلية والتي لا نألو جهداً في حلها والتغلب عليها مثلنا مثل جميع الدول التي تحترم شعوبها وتسعى إلى ما فيه خيرهم وصلاحهم".
من المبادئ الثابتة التي يحرص جلالة الملك على الإشارة إليها في معظم خطاباته المنجزات الأساسية التي تحققت عندما توافقت القيادة مع الشعب في ميثاق العمل الوطني على التحول الديمقراطي الذي نشهد مكتسباته يوماً بعد آخر، وتشمل هذه المبادئ: دولة الحق والقانون، ودولة الدستور والمؤسسات، وفصل السلطات والديمقراطية وحقوق الإنسان. مؤكداً جلالته "ليس في وسع أحد أن يكون فوق القانون، أو يتطاول على المؤسسات الدستورية، وكل من حاول ذلك تم التصدي له وضرب على يده بكل قوة". وهذه رسالة واضحة بعدم القبول أو السماح لمن يحاول التطاول أو المساس بمؤسسات الدولة التي أقرها الدستور وكذلك قوانينها الوطنية.
العاهل استعرض نتائج الحوار وأهميته في تحقيق التطلعات، حيث أشار إلى أن الحوار ساهم في تحقيق ثلاثة أمور أساسية، وهي:
ـ توحيد المواقف الوطنية تجاه أي خطر أو تدخل خارجي.
ـ وضع الأسس الصحيحة للنظام الدستوري البحريني، وهو النظام الذي أجريت عليه التعديلات الدستورية مؤخراً.
ـ التعاهد على ميثاق العمل الوطني وتحديث الدستور.