أكد أستاذ قانون جامعي أن البناء الديمقراطي لأية دولة لا يستقيم إلا بتجلي روح المواطنة في علاقات الأفراد بمؤسسات الدولة التي وُجِدت بقصد خدمتهم وتوفير ما يحتاجون إليه في حياتهم الفردية والجماعية، على أن يقابل الأفراد ذلك بالولاء الكامل للوطن من خلال قيم ومبادئ تعكس الإرادة العامة للمواطنين.
جاء ذلك في آخر محاضرة نظمها معهد البحرين للتنمية السياسية بالتعاون مع المجلس الأعلى للمرأة بعنوان "دور المواطنة في تعزيز قضايا حقوق الإنسان" ضمن المحور الحقوقي الذي يستهدف تنمية وتعزيز مهارات عدد من الكوادر البحرينية الواعدة والتي قد تم اختيارها بعناية تامة للمشاركة في أعمال برنامج التمكين السياسي للمرأة المشترك بين الطرفين والذي يأتي تنفيذاً لإحدى مرئيات حوار التوافق الوطني - الذي دعا له عاهل البلاد المفدى في صيف 2011 - والمُسندة من الحكومة الموقرة إلى المعهد لإنجازها بالشراكة مع المجلس الأعلى للمرأة.
وقال أستاذ القانون العام بكلية الحقوق في جامعة البحرين الأستاذ الدكتور عبد الحكيم الشرقاوي: "العلاقة بين المواطنة والمواطن والوطن، لا تنحصر في الاشتقاق اللغوي، وإنما تمتد إلى الارتباط الوثيق في المضامين، فلا مجال لتجسيد مفهوم المواطنة بما يعنيه من مشاركة - مباشرة أو غير مباشرة - في تدبير الشأن العام، ومسؤولية تجاه الوطن، دون وجود مواطن يدرك حقوقه وواجباته في المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، ولا يشعر بأنه معني بما يجرى داخل الوطن، فلا مواطنة دون مواطن، ولا مواطن دون ولاء للوطن، وتفاعل إيجابي مع قضاياه وانخراط حقيقي في شؤونه".
التربية المدنية:
وعرَّف الدكتور الشرقاوي ما خلص إليه بشأن المواطنة بـ "التربية المدنية" والتي أوضح أنها تعني مجموعة خبرات مدنية قوامها مفاهيم وقيم ومهارات واتجاهات تعزز الجانب المدني لدى الأفراد في مختلف جوانب الحياة المدنية ليكونوا فاعلين في بناء مؤسسات المجتمع، كما أنها تهتم بخلق مواطن منفتح على الحضارات، متفاعل مع الأحداث المحيطة محلياً وإقليمياً ودولياً، يحترم جميع الآراء ووجهات النظر، ويعزز المبادرة وتحمل المسؤولية والعلاقات بين المواطنين.
وقال: "التربية من أجل المواطنة تتطلب تزويد المواطن بالمعارف الأساسية للقواعد المؤسسية أي الحقوق والواجبات، وينبغي أن تتضمن تعليماً ينمي القدرات الأساسية للمشاركة الفعالة اجتماعياً وسياسيا. ويهدف هذا النوع من التربية إلى رفع مستوى الوعي السياسي والاجتماعي للأفراد، وإكسابهم قيماً ومهارات وأفكاراً وتصورات واتجاهات سياسية ومعرفية حديثة تبلور وعيهم، وتخلق لديهم قناعات قيمية وثقافية بأهمية الثقافة المدنية حتى ترسخ لديهم كسلوك".
أبعاد المواطنة:
وأكد الدكتور الشرقاوي أن للمواطنة ثلاثة أبعاد، أولها البعد القانوني الذي يشمل المساواة بين المواطنين في الحقوق والواجبات دون تمييز بسبب الدين أو العرق أو اللون أو الجنس، وأن يكون لجوء المواطن إلى مؤسسات العدالة ميسوراً غير مكلف بالنسبة له، وأن تتوفر معايير العدالة المتفق عليها دولياً في عمل هذه المؤسسات.
أما البعد الثاني فهو البعد السياسي والذي قال عنه الدكتور الشرقاوي: "يشمل حق كل مواطن في المشاركة في تقرير شؤون المجتمع سواء من خلال الانتخابات العامة أو المحلية، ويتطلب ذلك أن يكون هناك سياقاً مجتمعياً يشجع على المشاركة العامة، سواء من خلال مؤسسات التنشئة كالمدارس أو الجامعات أو منظمات المجتمع المدني كالنوادي والأحزاب، وإزالة القيود القانونية والعملية المفروضة على عمل هذه المنظمات".
في حين يرى المحاضر أن البعد الثالث هو البعد الاجتماعي والذي يتمثل في حق كل مواطن في الحصول على فرص متساوية لتطوير جودة الحياة التي يعيشها، ويتطلب ذلك توافر الخدمات العامة للمواطنين، وبخاصة لذوي الدخل المحدود، وإيجاد شبكة أمان اجتماعي لحماية الفئات المستهدفة للمجتمع، وأن يظل لها صوت في التأثير على السياسات العامة.
وبذلك يخلص المحاضر إلى أن المواطنة من خلال أبعادها الثالثة السابقة هي "حالة وطنية ثقافية اجتماعية نسبية تعكس العلاقة بين الوطن والمواطن وتعتمد على مجموعة أسس لتحقيق أهداف معينة".
أهداف وسمات المواطنة:
ويؤكد الدكتور الشرقاوي أن المواطنة تهدف إلى خلق مساواة نسبية بين كافة المواطنين بحسب المراكز القانونية، إضافة إلى تعزيز قيم الولاء والانتماء لدى الجميع، والمشاركة في القرار الوطني، علاوة على تقوية المناعة عند الأزمات.
وتابع قائلاً: "وتتسم المواطنة بأنها ذات قيم إنسانية وأخلاقية باعتبارها انتماءً عقلياً موضوعياً، فهي لا تعبر عن قوانين بل عن مشاعر وأحاسيس. كما أنها تمتاز بالعدل والحرية من خلال مبدأ الارتباط بوحدة الانتماء واللغة والمشاعر في إطار سيادة القانون المعتمد على الحرية الواعية المنضبطة بشكل منظم، هذا بالإضافة إلى أن المواطنة تتحقق من خلال الحوار المتبادل بين أبناء الوطن الواحد في إطار الاحترام والموضوعية وتبادل الرأي واحترام الآخر".
الحقوق والواجبات:
يشير الدكتور الشرقاوي إلى أن البعض يعِّرف مفهوم المواطنة بأنه المساواة بين كافة المواطنين في الحقوق والواجبات، ومن هنا تنشأ علاقة تكاملية وتبادلية بين الحق والواجب، كون الحق لا يوجد بمعزل عن الواجب، والقانون أو العرف يقومان بتنظيم هذه العلاقة.
وتابع قائلاً: "في الوقت الذي يعطي الدستور، أو مجمل النصوص القانونية، الحق بالمطالبة بالحقوق، فإنه في الوقت ذاته يفرض علينا بالمقابل واجبات من المفترض أن نقوم بها، والواجبات بشكل عام تتوزع ما بين واجبات (أسرية، مهنية، دينية، وطنية)، وأرقى أنواع الواجبات تلك التي تؤدى وصاحبها مقتنع ومؤمن بها، انطلاقا من وازع الأخلاق. وبعض الواجبات التي لا يؤديها أصحابها، يلزمها إلزاماً من نوع معين، وفي كثير من الأحيان يحدد القانون شكل العقوبات لمن لا يقوم بواجباته".