16 يناير 2012
قراءة في الكلمة السامية لعاهل البلاد المفدى ..الابعاد والدلالات..
المنامة في 15 يناير / بنا / جاءت الكلمة التي ألقاها العاهل المفدى اليوم والتي أحال فيها مرئيات الحوار الوطني بشأن التعديلات الدستورية إلى البرلمان لمناقشتها، لتؤكد على الكثير من الدلالات:

المنامة في 15 يناير / بنا / جاءت الكلمة التي ألقاها العاهل المفدى اليوم والتي أحال فيها مرئيات الحوار الوطني بشأن التعديلات الدستورية إلى البرلمان لمناقشتها، لتؤكد على الكثير من الدلالات:

أولها: أن النهج الإصلاحي الذي اختطته القيادة الرشيدة ووضعته نبراسا لرؤيتها منذ نحو عقد من الزمان سيواصل تقدمه ولن يتوقف وبما يتوافق مع التطلعات المشروعة لأبناء الوطن الرامية إلى تحقيق المزيد من التطور وبناء مجتمع قوي يواكب مسارات التقدم الديمقراطي المحققة في دول العالم المختلفة.

ثانيها: أن الهدف الرئيسي الذي يشغل بال القيادة الرشيدة من إطلاق هذه المبادرات، كان ولا يزال إعادة اللحمة الوطنية إلى سابق عهدها وتجسيد المصالحة الحقيقية على أرض الواقع ومن ثم تلبية احتياجات المواطنين، المعنوية منها قبل المادية، والتأكيد على أن أية ممارسات غير قانونية أو مطالبات غير مشروعة لن تقف حجر عثرة أمام مواصلة المسيرة الإصلاحية للعاهل المفدى.

ثالثها: أن هناك حاجة للبدء فعليا والشروع في تبني الخطوات الضرورية لاستكمال المشروع الوطني في البناء والتقدم على كافة المسارات والمستويات، خاصة أن هناك من الدوافع والبواعث ما يوجب التحرك وبسرعة للاستجابة لكل ما يأمله المواطنون وقوى المجتمع من طموحات، سيما في مواجهة أولئك الذين يحاولون جر البلاد إلى الوراء والانتقاص من الإنجازات التي تحققت طوال العقود السابقة من العمر المديد للبحرين.

رابعها: أن المبادرة الملكية السامية تأتي لتؤكد على الثوابت والأركان التي تقوم عليها المملكة في توجهها الحاكم ناحية الشعب، وتستند إليها القيادة الرشيدة في تحركاتها الإصلاحية، وأهمها: سيادة القانون واستقلالية القضاء ودور المؤسسات الدستورية القائمة في مواصلة ما تم الشروع فيه منذ أمد لإيجاد نموذج إيجابي فاعل للعلاقة بين الدولة والمجتمع، وأنه لا سبيل أمام المغرضين للتشكيك في أي من هذه الثوابت أو التقليل منها.

خامسها: أن المبادرة الملكية السامية تجيء لتكلل وبنجاح العديد من المبادرات والتحركات التي ظهرت في الساحة البحرينية خلال الفترة الأخيرة بشأن المصالحة وإطلاق مرحلة جديدة من التاريخ الزاهي للمملكة، خاصة أن المبادرة تكرس لما حققته الدولة من تقدم ملموس على صعيد اجتياز تداعيات الأحداث، في إشارة إلى النجاحات المتعلقة بتشكيل لجنة متابعة تنفيذ التوصيات الواردة في تقرير تقصي الحقائق وإعادة تشكيل بعض أجهزة الأمن ومراجعة جميع أحكام السلامة الوطنية وغير ذلك الكثير.

وإذا كانت القيادة الرشيدة، وبعد الخطاب الملكي الأخير، لم تدخر جهد في اتخاذ ما يلزم من إجراءات أسهمت في الارتياح الشعبي الحاصل وإعادة الأمور إلى مسارها الصحيح، خاصة أنها طالبت بأن تتلو خطوتها خطوات أخرى لتعزيز الديمقراطية، فإن قوى المجتمع البحريني ورموزه مطالبون الآن ـ وقبل أي وقت آخر وتبعا للتوجهات السامية ـ بالقيام بالدور المناط بهم على طريق تحقيق المصالحة الوطنية الشاملة بين أبناء المملكة، ولا يتطلب ذلك سوى حشد الرأي العام بكل فعالياته وطاقاته لإعادة التوافق بين القوى المختلفة مع التوجه السامي الداعم لذلك.

ولا شك أن كل ذلك يبعث على الأمل بحاضر مزهو بالفخر للبحرين وبغد أكثر إشراقا لمواطنيها، سيما إذا ما تم التدقيق في توجهات ومفردات الكلمة الملكية السامية، حيث أُشير للعديد من القضايا التي تمثل نقاطا جوهرية يجب الاهتمام بها والالتفات إليها والعناية بها، وتمثل في واقع الأمر إضافات سياسية لسجل المملكة الحافل بالإنجازات، ولعل ما يؤكد ذلك:

  1. سوف تسهم مقترحات التعديلات الدستورية المحالة للبرلمان في المزيد من التنظيم في العلاقة بين السلطتين، التنفيذية والتشريعية، وبما يحقق مزيدا من التعاون والتوازن بينهما، وهي سمة من أبرز سمات وخصائص النظم السياسية الديمقراطية والملكيات الدستورية القائمة، حيث تعطي هذه الخاصية لكل من السلطتين الحيز المناسب لكي تمارس صلاحياتها بعيدا عن التداخلات، وبما يضمن أن لكل منها دوره في بناء المجتمع واستقراره.
  2. توفير ضمانات إضافية عند استخدام الحق في حل مجلس النواب باعتباره الغرفة الثانية المنتخبة للمجلس الوطني، حيث أشار الخطاب السامي إلى ضرورة الاستنارة برأي رؤساء مجلسي الشورى والنواب والمحكمة الدستورية بعد أن كان ذلك مقصورا على اتفاق بين الملك ورئيس الحكومة، وهي ضمانة مهمة ستحد إلى درجة كبيرة من فكرة عدم الاستقرار النيابي التي تشكل إحدى ثغرات بعض النظم السياسية.
  3. طريقة اختيار وتعيين أعضاء مجلس الشورى، وهي تشكل إضافة جديدة للنظام الديمقراطي بالمملكة ومسار تطوره الإصلاحي، فبعد أن كان يتم تعيين أعضاء المجلس مباشرة بأمر ملكي من الأكاديميين والمتخصصين وأهل الخبرة الذين تذخر بهم البحرين، فإنه يتعين الآن أن يصدر أمر ملكي يسبق أمر تعيينهم بحيث تُحدد فيه الطريقة والإجراءات والضوابط التي تحكم عملية اختيار الأعضاء، وذلك بهدف تحقيق المزيد من المشاركة في ذلك وضبط وتقنين عملية اختيارهم.
  4. تطوير الدور الرقابي للمجلس الوطني بغرفتيه عند النظر في إعداد ميزانية الدولة، حيث زيدت المدة المخصصة له للبت في مشروعات القوانين التي تنظم موضوعات اقتصادية إذا طلبت الحكومة نظرها بصفة الاستعجال، وهو ما سيسهم بالتأكيد في تفعيل الدور البرلماني للمجلس في الرقابة، وبما يمكّن من العمل بالميزانية الجديدة في بداية السنة المالية، وبما لا يسمح بإصدار الميزانية لأكثر من سنتين ماليتين، مثلما أشارت إلى ذلك الكلمة الملكية السامية.
  5. كيفية وضع اقتراحات التعديلات الدستورية موضع التطبيق الفعلي وطريقة إحالتها للجهة المختصة لسرعة مناقشتها وإقرارها، إذ بات ميسورا الآن طرح مقترحات تخص أعلى القوانين شأنا، وهو الدستور، بعد أن كان يتطلب ذلك الكثير من الإجراءات المطولة، كما تم تحديد مدة زمنية لإحالة هذه المقترحات الخاصة بالأمر إلى المجلس الذي وردت منه، وهو ما سيسهم في تيسير وتسريع عجلة النظر إلى التعديلات الدستورية مستقبلا وإقرارها.
  6. مناقشة البرنامج الحكومي أمام مجلس النواب بعد أن تؤدي الحكومة اليمين الدستورية، وهو ما سيؤدي إلى زيادة وتفعيل دور الإرادة الشعبية في تشكيل الحكومة، إذ سيكون بمقدور ممثلي الأمة من مناقشة البرنامج، ومن ثم سيكون متاحا لهم حق الإقرار من عدمه لأي من مفردات هذا البرنامج والخطط والميزانيات التي تتضمنه، الأمر الذي يكفل تحقيق فائدة مزدوجة للنواب من جهة باعتبار أن خطط العمل التنفيذية متفق عليها شعبيا، وللحكومة من جهة أخرى باعتبارها تعمل وسط دعم ورضاء شعبي يمنع من إمكانية التنازع، إذ يعني إقرار البرنامج الحكومي أن الوزراء حازوا على ثقة المجلس الوطني.
  7. دعم دور مجلس النواب للقيام منفردا بحق تقرير عدم إمكان التعاون مع الحكومة، وهو الحق الموازي في بعض الدول حق سحب الثقة، وكذلك دعم دوره في الحق بطرح موضوع عام للمناقشة بعد أن كان غير متاح لأعضاء المجلس، وفي ذلك دلالة على الدور المتعاظم الذي ستوليه التعديلات الدستورية لأعضاء المجلس المنتخبين.
  8. كفالة حق أعضاء مجلس النواب مجتمعين في المشاركة في الاستجوابات التي قد توجه للوزراء، وإلزام الحكومة خلال فترة زمنية محددة بإبداء أسباب تعذر الأخذ بالرغبات التي يبدونها، وهو ما سيضاف إلى الأدوات الرقابية الأخرى التي يحق للمجلس اللجوء لها عند مناقشة الحكومة سواء كانت أسئلة أو لجان تحقيق أو غير ذلك.
  9. منح أولوية لرئيس مجلس النواب، وليس لرئيس مجلس الشورى مثلما كان معمولا به قبل التعديلات، سلطة ترؤس اجتماعات المجلس الوطني وسلطة إحالة مشروعات القوانين إلى رئيس مجلس الوزراء لاتخاذ إجراءات إصدارها بعد الموافقة عليها من المجلسين، وهو ما يعطي بالتأكيد ثقلا أكبر للمجلس المنتخب في الحياة السياسية خلال الفترة المقبلة. وأخيرا، لا يمكن إلا التأكيد على أن التعديلات المقترحة تلك بكل ما ستفرزه من مناقشات وردود أفعال، ستفتح آفاقا جديدة أمام الديمقراطية البحرينية، وستتيح للبرلمان الوطني القيام بدوره المناط به كبوتقة تنصهر فيها وتخرج منها المطالب الشعبية وبما ينهض بمسؤوليات كل القوى، ويدفع عجلة التقدم انطلاقا من القناعة بأن الوطن بمقدوره أن يستوعب الجميع شريطة أن ينخرطوا في كل ما يسهم في رفعته ونهضته.

// م ش ع //
خ ا
بنا 1021 جمت 15/01/2012
المصدر: وكالة أنباء البحرين

مواد ذات صلة