الفائز بالمركز الثالث

أنصتوا... رصاص التطرُّف يخترق الآذان

السيد علي محمد سلمان أحمد

بسم الله الرحمن الرحيم


والصلاة والسلام على نبينا محمد خير الأنام، المبعوث رحمة لأمة الإسلام، وعليكم أيها الأحبة وافر التحية والاحترام...


أقف أمامكم هنا، وأسمع خارج هذا المكان ضجيجًا يملأ العالم، ويخترق الآذان. إنه يُشبه صوت وابل الرصاص الذي يخرج من فوّهة البندقية، وعلى ظهر كل رصاصة يُسجل اسم ضحية، وربما يُطلق لها العنان لتأخذ طريقها نحو أي شخص.


تُرى هل تسمعون معي هذا الضجيج؟ إنه صوت لوحات مفاتيح أجهزة الحاسوب والأجهزة الذكية، تُصدر صوت إرهاب.. خراب... دمار... تشتت... كراهية... صوت تطرف إلكتروني، صوت موت في صدر الحياة.


أيها السادة الأفاضل، يا من تتنفسون السلام في مملكة السلام...


تعالوا معي، لنضع أيدينا على الجرح الملفوف بخُرقة سوداء، ونقول بكل وضوح وصراحة: نعم، لدينا صُنّاع أمل وتفاؤل، صنّاع إنجاز وتقدم، صُنّاع إبداع وأمن وسلام، ولكن في المقابل لدينا صُنّاع تطرف، وكراهية، وحقد، وحرب أيضًا، يُهندسون الخراب والدَّمار، بدلًا من البناء والعَمار، منهم من يعيشون بيننا، نراهم ونسمعهم، ومنهم من يطلقون رصاص تطرفهم من دول أخرى.


لست هنا لأقول لكم ألقوا أجهزتكم الذكية من فوق أسطح منازلكم، أو اقطعوا أسلاك أجهزة الحاسوب وعودوا إلى العصور الوسطى، بل أريد لفت انتباهكم إلى أن خطر التطرف قد دخل بيوتنا، إنه بين أيدينا، ولابد من التصدي له، ليس بحد السيف أو قوة الرصاص، بل بحكمة وفكر وعقل، حتى لا نؤذي أنفسنا.


إنَّ التطرف أيها الأعزاء، ليس أسلوبًا جديدًا لغسل أدمغتنا وعقولنا، فهو من عشرات السنين يُستخدم من قبل جماعات إرهابية متطرفة، تتربص العداء للإنسانية، لكن هذا الأسلوب نَشَطَ مع انتشار مواقع التواصل الاجتماعي، التي أصبحت جزءًا من حياة الغالبية العظمى من أفراد المجتمع، إن لم يكن جميعهم، وهذا ما يرفع نسبة تعمق التطرف الإلكتروني، ويفسح المجال أمام ممارسيه ومؤيديه مواصلة الليل بالنهار، للعمل على قلب أجواء المحبة والسلام والوئام في المجتمع، إلى أجواء فتنة وطائفية وفرقة وشتات. وأصبحت مواقع التواصل الاجتماعي وسيلة إعلانية مجانية لبث السموم والأفكار الهدّامة، ولا تتطلب سوى إنشاء حساب على تلك المواقع، ومن ثَم بث الصور، ومقاطع الفيديو، والرسائل النصية التي تحمل مضامين الإساءة، والتحريض على الكراهية، والفتنة، والبغضاء في المجتمعات الآمنة المستقرة.


أيها السَّادة الأعزاء...


دعوني أنقل لكم نتيجة توصلت إليها دراسة قامت بها مؤسسة "بروكينجز" الأمريكية ونشرتها على موقعها الإلكتروني في شهر مارس من العام 2015، وحملت عنوان "تعداد داعش على تويتر"، حيث توصلت الدراسة إلى وجود ما لا يقل عن 46 ألف حساب على موقع التواصل الاجتماعي "تويتر" تعمل لصالح ما يُعرف بتنظم الدولة الإسلامية "داعش"، وترى الدراسة أن هذا التنظيم تمكن من ممارسة تأثير كبير على الطريقة التي يتصوره العالم بها.‍‍(1)


إن هذا الخطر الذي يُراد منه نشر الخراب، لا يوجه ضد أفراد المجتمع فقط، بل حتى المؤسسات الرسمية وغير الرسمية، فهي ضمن دائرة الاستهداف للعبث في بياناتها، واختراق أسرارها، وسرقة معلومات عملائها وزبائنها، والإحصاءات تشير إلى وجود 107 ملايين رسالة ضارة تم التصدي لها من قبل هيئة المعلومات والحكومة الإلكترونية، إلى جانب 167 ألف محاولة اختراق واجهتها مواقع إلكترونية تابعة لجهات حكومية خلال العام الماضي.¬¬(2)


إنَّ ما أريد تسليط الضوء عليهم بصورة أوسع، هم الأطفال والشباب، الذين يمثلون الشريحة الأكبر في المجتمع، فهم أكثر عرضة لمخاطر التطرف الإلكتروني، وذلك لأنهم يُقبلون على الإنترنت لأسباب عدة، من أهمها الملل والفراغ، والقلق، والسرية، والمغريات، والوحدة والمشاكل الاقتصادية، والكآبة.(3)


ولا يخفى عليكم أن جماعات التطرف الإلكتروني تعمل لتغيير أفكار الشباب، وتشويش عقولهم، وإيهامهم بالبطولة، والشجاعة، والقوة، وإثبات الذات عند القيام بأي فعل تريد تلك الجماعات بثه في المجتمع، وتغذي بفكرها ثقافة الـ "أنا"، والمنهج الفرعوني في عدم القبول بالآخر والاستبداد بالرأي دون إعطاء الطرف المقابل مجالًا لقول شيء. ويعتمدون في تطرفهم على زخرفة الكلمات، وأوهام الانتصار، فهم كفرعون عندما قال في الآية القرآنية: ﴿مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ ]سورة غافر: الآية 29[.


أيها الإخوة والأخوات الأعزاء...


إننا في مملكة البحرين، نفخر بالمجتمع البحريني الواعي، الذي يقف خلف قيادته الحكيمة، ويمضي على مسيرة الإصلاح الوضّاءة التي دشّنها حضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة عاهل البلاد المفدى حفظه الله ورعاه. وكم نحن محظوظون بحكومتنا الرشيدة التي تواصل جهودها لوضع الخطط والبرامج لصون المجتمع، وحمايته من كل أعمال الإرهاب والتطرف، سواءً الإلكتروني أو التقليدي، والدفع نحو مراجعة وتحديث التشريعات التي تحمي الأفراد وتحفظ حقوقهم.


فلدينا في مملكة البحرين القانون رقم (60) لسنة 2014 بشأن جرائم تقنية المعلومات، وأيضًا قانون رقم (37) لسنة 2012 بشأن إصدار قانون الطفل، والذي يوضح في المادة (57) منه أنْ "تعتبر أعمال استدراج الأطفال واستغلالهم عبر الشبكة الإلكترونية "الإنترنت" وغيرها من وسائل الاتصال الحديثة في أمور منافية للآداب العامة والنظام العام أو لا تتناسب مع أعمارهم، أعمالاً مجرّمة".(4)


وجميعنا ندرك حجم الجهود التي تبذلها العديد من المؤسسات والمنظمات الأهلية في توعية الشباب والناشئة، إلى جانب بقية أفراد المجتمع، عبر برامج تنموية وتثقيفية واجتماعية، ومثال على ذلك ما يقوم به معهد البحرين للتنمية السياسية، الذي قدم أكثر من 300 محاضرة وورشة ودورة خلال ستة أعوام مضت، وفقًا لما توضحه المعلومات المنشورة على موقعه الإلكتروني، وهو عمل يُحسب للمعهد، وخاصة أنه خرج من جدرانه الإسمنتية، وبدأ خطوة جريئة بزيارة المجالس الأهلية في العديد من المناطق، ليقدم محاضرات وطنية تعزز الولاء والانتماء لمملكتنا الغالية.


أيها الأحبة والأعزاء، يا من يجمعنا تراب هذه الأرض الغالية...


صحيح أن المجتمع البحريني واعٍ ومثقف، ومتماسك ومتحاب ومتآلف، إلا أنني أقول لكم بكل صراحة، علينا أن نشكِّل بروحنا الوطنية، وتعايشنا ووحدتنا، درعًا تُحصننا وأبناءنا من التطرف الإلكتروني الذي يغزو العالم، وألا نترك ثُقبًا في مجتمعنا يضع فيه المتطرفون فوّهة بندقياتهم ويوجهون رصاص تطرفهم لعقولنا، بل نغطي هذا الثقب بالتنشئة الصحيحة، والتربية السليمة، والتوعية الحكيمة.


وحتى لا تضيع البوصلة، ونرى فئاتًا من مجتمعنا تسير في ظلام دامس، علينا أن نحوّل أصوات لوحات مفاتيح أجهزة الحاسوب والأجهزة الذكية، من ضجيج يخترق الآذان والجدران، إلى سيمفونية أمن وتعايش وتسامح وسلام، وصوت بناءٍ وتقدُّم وحضارة، بعيدًا عن التطرف الإلكتروني، والسلوكيات التي تشكل خطرًا على تآلفنا ووحدتنا، وعشقنا لتراب مملكتنا الغالية.


والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته



1- دراسة لمؤسسة بروكينجز الأمريكية، نُشر على موقعها الإلكتروني بتاريخ 6 مارس 2015    (www.brookings.edu)

2- مقابلة صحافية مع الرئيس التنفيذي لهيئة المعلومات والحكومة الإلكترونية، صحيفة الأيام، العدد 10171 (12 فبراير 2017)

3- رولا الحمصي (2009) "إدمان الإنترنت عند الشباب وعلاقته بمهارات التواصل الاجتماعي" دراسة ميداينة على عينة من طلاب جامعة دمشق – بحث مقدم في مؤتمر الملتقى الطلابي الإبداعي الثاني جامعة أسيوط.

4- هيئة التشريع والإفتاء القانوني

مواد ذات صلة