الفائز بالمركز الثاني

التضحية

صالح يوسف صالح

بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على أشرف خلق الله سيد المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين.

إخواني وأخواتي الكرام،


لقد قال شاعرنا المغفور له بإذن الله تعالى الراحل الشيخ أحمد بن محمد آل خليفة في حبّ هذا الوطن ملحمة شعرية عظيمة، أقتبسُ منها هذه الأبيات التي قال فيها عن مملكنا الغالية:


"بهـا قـومٌ إذا وثبوا لمجـدٍ .. تحققّ من وثوبهم المحالُ

وإن قالوا عـلى الأيام قولاً .. رأيت القولَ تدعمهُ الفعالُ

أوالٌ أنـتِ لـلأمـجــاد مـهــدٌ .. توّلد في مرابضهِ النضالُ"


كلمات صادقة وطاهرة جسّدت تماماً خصال كلّ بحريني وفي ونبيل.. واسمحو لي أن أعقّب عليها وأخصّ منها قيمة كريمة لا تخفى علينا جميعاً.. وهي "التضحية"، هذه القيمة العظيمة وما لها من أثر على المجتمعات والأفراد، هذه الخصلة التي لا يحملها سوى صاحب قلبٍ نقي، وروحٍ طاهرة ازدانت بالحبّ والإخلاص.. فكيف إن كانت من أجل الوطن، وفي سبيل صونه وحفظه من كلّ سوء؟!


نعم أيها الجمع المبارك، ففي هذا اليوم "يوم الشهيد" الذي يصادف السابع عشر من شهر ديسمبر، ويتزامن مع عيدنا الوطنيّ المجيد، فإننا نودّ أن نعبّر لكم بفيضٍ غزيرٍ يجتاح القلوب، إيماناً منّا بأن ما يخرج من القلب، يصل فوراً إلى القلب، يتلخّص في حروف هذا المعنى: "التضحية". التضحية ليست كلمة تُتلى، ولا عبارة نردّدها بألسنتنا، فهي أفعال لا أقوال، و"هي التي غيّرت المجتمعات وأصبحت شعلة أي تغيير".

أيها الأفاضل،


إنّ "يوم الشهيد"، يعود بنا إلى استشهاد عددٍ من جنود البحرين البواسل، وهم يؤدون واجبهم الديني والوطني المقدّس بأرض يمن العروبة، الذي يتعرض لاختراقٍ سافرٍ من خلال التدخلات الخارجية ذات المآرب والأطماع الدنيئة، لاسيما من قبل "إيران" ومن لفّ لفيفها. كما يعود بنا إلى أيام – نسأل الله ألّا يعيدها علينا – حيث استشهد عدد من رجال أمننا على يد مجموعةٍ من الإرهابيين في بلادنا.


أيا تيجان رؤوسنا، أمّهات رجال السلك العسكري تحديداً،


لم ولن ننسى من ضحّى بنفسه من أجل وطنه، فكان كالشمع يُحرق نفسه كي ينير عتمات ليالي الآخرين. كلّا، لن يغيب عنّا ذاك الذي أدرك أنّ "الشهادة في سبيل الوطن، خلود في موت رائع". كيف ننسى من قيل فيهم من فوق سبع سماوات: "ولا تحسبنّ الذين قُتلوا في سبيل الله أمواتاً، بل أحياء عند ربهم يُرزقون.."، والذين أشار إليهم خير البشر ﷺ بقوله: "من قُتل دون أرضه فهو شهيد". وإذا ما عدنا قليلاً إلى التضحية أيها المخلصون، فإنها تتمثل في رأس هرم هذه البلاد، إذا تكمن في مليكنا حفظه الله لاسيما عندما اتخذ نفسه قدوةً حقيقيةً لشعبه - كما عهدناه - فأرسل نجليه القائدين القدوتين سمو الشيخ ناصر وسمو الشيخ خالد، للمشاركة في عملية "عاصفة الحزم" تلك، مُضحّياً بهما نصرةً للأمة الإسلامية وعروبتها.


أيها الأعزاء،


إنّ نماذج التضحية في أهل هذه البلاد لا تعدّ ولا تحصى، وليست هي - صراحةً - محورنا، بقدر معرفتنا كيف نستخدم شذاها ونشره على هذه الأرض، وكيف نثبت أنّ الطائفية والتمرّد على الوطن وقيادته، يخالفان تماماً أصلها المنشود.. ولا أقول إنّ التضحية هي ألّا نعيش متباينين، بل هي كيف ننسجم مع الاختلاف دون خلاف.. نضحي بأهوائنا ومزايداتنا، ندحرُ خصوماتنا وتعصبّنا، من أجل وحدتنا الوطنية، "نتعاون فيما اتفقنا عليه، ويعذر بعضنا بعضاً فيما اختلفنا فيه"، مُعتصمين بحبل الله جميعاً.

إخواني وأخواتي الكرام،


دعوني أخبركم شيئاً: هل تعلمون أن نهضة ورقي هذه الدولة يشترك فيهما الجميع هنا دون استثناء؟ هل تعلمون أن التضحية لأجل الوطن لاتقتصر على بذل الأرواح فقط؟ وإنما على بذل الأفكار والعلم والتفاني في العمل.. نعم.. فكلّنا هنا قطرات مختلفة، إذا ما اجتمعت شكّلت محيطاً منالبناء والعطاء، فنحن - أيها الأوفياء – امتدادٌ لآبائنا وأجدادنا الذين كتبوا أسماءهم بحبر منجزاتهم ومآثرهم في أروقة الزمن.. وها نحن نشاهد أبناء وطننا اليوم وكيف يضحّون لرفعة بلادهم كلّاً في موقعه.. فتحية لكم أيتها العيون الساهرة يا رجال أمننا، وتحية لكم أيها المعلمون، وتحية لكم أيتها المربيات المناضلات في البيوت.. وتحية لجميع العاملين المخلصين في مختلف القطاعات.

السيدات والسادة،


اسمحوا لي أن نقف جمعياً هنا وقفة إجلال لإمهاتنا المجاهدات في منازلهنّ، وأقول لهنّ: أيتها العظيمات، إنّ "كثيراً من الناس لديهم فكرة خاطئة عن السعادة، لن تتحقق من خلال تلبية الرغبات، ولكن بالتضحية من أجل هدف نبيل"، وأنتنّ من يساهمن جليّاً في صناعة هذه السعادةوالرفاهية في المجتمع ورقيه.. ولا يختلف أحد في ذلك بالطبع، لأن أدواركنّ في نهضة الوطن كبيرة جداً، كيف لا، ونحن نمرّ في وقتنا الحالي بمنعطفٍ خطير، يبرز في انفلات الكثير من شبابنا عن طرق الاستقامة، فضلاً عن تأثرهم بما يشاهدونه في محيطهم العربي من تشرذم وتمزّق.. فأيتها المرابطات، أيتها المكافحات، أنتنّ من تستطعن توجيه بوصلة أبنائنا تجاه الصواب، حيث حبّ الوطن، ونحو اعتناق كلّ خلقٍ حميد.


نداء آخر أوجهه لكِ أيتها المرأة، - ووقفة أخرى - يا من كتبتِ اسمكِ في صفحات التاريخ، وفي أعظم فصوله، فتوجّتي عطاءكِ السخيّ في المسيرة الديمقراطية، عندما قررتِ مشاركة الرجل في بناء دولة المؤسسات والقانون.. افتخري يا سيدتي بأنكِ كنتِ من أوائل من عملن بالوطن العربي في سلك التعليم والسياسة والطب وغير ذلك.. وكنَّ أوائل من أسسن العديد من المراكز والمؤسسات الخاصة بالعمل النسائي في العالم العربي، وكنتِ أنموذجاً بارزاً في التضحية والبذل من أجل الارتقاء بالوطن.


أحبتي الحضور،


في هذا اليوم المتزامن مع ميعاد جلوس مليكنا على كرسيّ البلاد وتولي مقاليد الحكم، لهو تأكيدٌ على العهد الإصلاحي الزاهر للعاهل الهُمام، الذي ضحّى من أجل بلاده، فانطلق في بناء بلد الحضارة، ساعياً بكل جدّ ووفاء في لمّ الشمل وخلق مناخ ملائم لحرية التعبير وقبول الرأي الآخر، حتى تكوّنت ثقافة التعددية والتعايش السلمي بين جميع مكونات المجتمع.


إخواني، يا من نجتمع سوياً تحت لواء الوطنية من جميع الطوائف والمذاهب دون تمييز، رجالاً ونساءً،


نعود إلى ما بدأنا به في مقدمة حديثنا، أنّ "ما يخرج من القلب يصل إلى القلب"، لذا يهمّنا أن نذكّر بعضنا بكلّ معاني الوطنية والتضحية، فنحن نستطيع أن نقتدي بجنودنا الفدائيين الذين نالوا ما يبتغون عند ربّهم، وأن نصل سوياً بالقرب من مصافهم، فإخلاصنا في العمل تضحيةٌ للوطن وبناءٌ لقوامه، وتفوّقنا في مجال التعليم تضحية للوطن أيضاً وازدهارٌ للمستقبل، كما إنّ مشاركتنا في الانتخابات الوطنية رغماً عمّن يريد عرقلة ديمقراطيتها، هي تضحيةٌ وحفظٌ لمكتسبات الوطن، وإعلاءٌ لمكانته، وتحقيقٌ لمدنيّته..


كما يتحتّم علينا - إخوتي الفضلاء - أن نشدّ على أيدينا، وأن نتكاتف سوياً، فلا يزعزعنا أيّ إعصار، وأن نعمل على تعزيز هذه القيم في نفوس أبنائنا الصغار، ونتخذ تلك المضامين الثمينة عنواناً ليس في بيوتنا فحسب، بل في مؤسساتنا التعليمية والتربوية المختلفة، حتى نكون كالبنيان المرصوص خلف قيادتنا الرشيدة.


في الختام - أيها الشرفاء - فإن "البحرين اليوم - كما قال جلالة الملك المفدى - على موعدٍ للدخول في مرحلة مغايرة رسمتها أنامل المواطنين"،وما هذه الذكرى الأليمة إلا بداية مستقبل مشرق بإذن الله.. فلن ننسى هذا اليوم العظيم - السابع عشر من ديسمبر - في كلّ عام، بل وسنعيش فيذكراه دائماً.


وأخيراً، اسأل المولى سبحانه أن يحفظ بلادنا من كلّ مكروه، وأن يرحم شهداءنا الأبرار، وأن يجمعنا دائماً على الخير والمودة..

 

بارك الله في هذا الجمع، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

مواد ذات صلة